ريح الشمال. . .
(مهداة إلى الوزير دسوقي بك أباظة)
للأستاذ أحمد مخيمر
تنسمتُ أرواح الشمال هنيهةً … فهاج بيَ الشوق الدفين هبوبها
بسمعي كمعسول الحديث حفيفها … رخيٌّ، وفي قلبي شجيُّ دبيبها
فتحتُ لها صدري فأمَّتْ خميلة … من الحب فيه صادحٌ عَنْدليبها
نأتْ راحةُ السّاقي فصوّح دوحها … وما غاص في ظل الغصون قليبها
وكانت كروْقِ الشمس في ميعة الضحى … يرفُّ رفيفاً زهرها وقضيبها
ويبرقُ من فرط النّضارة عشبها … ويهتزّ من فرط الحياة رطيبها
قفي لحظةً ريحَ الشمال، فطالما … تمنّتْكِ نفس شرّدتها خطبها
لعل شذّى منها لديكِ أشمُّه … وهاتفةً مما تبثُّ أجيبها
وبين فؤادينا صحارى رحيبة … تُضِلُّ الخطى وديانها ولهوبها
يعوم عليها الآل حتى كأنه … ظنون بأرض النفس ناء قريبها
بعثت عليها من أمانيَّ طائراً … فآب مهيضاً ألهثته دروبها
وإن كثيراً أن أظل ببلدة … غريباً ولا يدنو لنفس حبيبها
إذا الليل واراني شعرت بلوعة … يُشَبُّ بأحناء الضلوع لهيبها
وجاء إليّ الحزن من كل جانب … وهمهمت الأشواق جمَّاً سروبها
وبان لعبنيّ الظلام كأنه … حفيرة موتى فاجأتها شعوبها
ورفّتْ بقلبي ذكريات من الهوى … تفوح كأزهار الرياض طيوبها
أرود بها لذات عهد قد انقضى … وأيام حب غاب عنها رقيها
فما هو إلا أن طبتني ظلالها … فسرحتُ عيني فاستهلّت غروبها
وكنت كذي غلٍّ رأى الماء قلبه … ظنون، وهل يُرَوى بهن طلوبها!
لكِ الله يا ريح الشمال، وأنها … لساعة بّثٍ ثم يدنو مغيبها
تهجين أشواقي! وقد كنت قبلها … مزاميرَ غيبٍ، في الضلوع طروبها
وكنت إذا أعولتِ في ظلمة الدجى … تَوزَّعُني أسرارها وغيوبها