حيرة
إن روحي في الفضا حيرى تحوم … مثل طير ضل عن سرب الطيور
واشتهى الشمس فأخفتها الغيوم … واشتهى الريح فظنت بالمسير
فانثنى تهلو جناحيه الهموم … ودعا يشكو ويبكي في دعاه
إن روحي ترتقي هذا الفضاء … وهو ليل مظلم رطب فسيح
فيحيط القدس قلبي بالهناء … وأحس الشك في صدري يصيح
وظلام الجو للشك وعاء … وانفساح الأفْق للروح صلاه
هذه شتى انفعالات النفوس … كرياح البحر تأتي عاصفات
جافلات في عَرا قلبي تجوس … دون وعي منه بل دون التفات
أي وعي عند تهتان الكؤوس … للذي استعبدت الراح هواه؟
ما أرى جرماً ولا قبحاً بدا … لم يكن يغمر نفسي بعضه
أو جمالاً أو حناناً أو هدى … لم يكن يعمر نفسي فيضه
سكن العيش فؤادي والرّدى … وفؤادي بهما يقضي مناه!
عقد الكون بنفسي الاتصال … فكأن الكون مني قطعةٌ
وجرى الدهر عليه كخيال … هو مما في جفاني صورةٌ
ما احتياجي للمطايا والرحال! … إنني للدهر والكون نواه!
الظلام الوحش حولي لا يريد … عن محيا الحق إلقاء النقاب
فهو يغريني به كي أستزيد … ثم يمهيه أمامي كالسراب
ليتني ألقى غشاء من حديد … دامج الليل على عيني رماه!
لست أخشى الحق بل أخشى الوجود … وأخاف الزهر يبكي للنسيم
وأخاف البحر هدّار الوعيد … وأخاف الطير يشدو كاليتيم
وأخاف الغصن يذوي كالشهيد … وتلاشيه المنايا في صباه
إنني أخشى بنفسي الانفراد … ثم أخشى الناس أن تجمع بي
كم يصيح الدمع في ليل الفؤاد … كهزيم عاصف مضطرب!
إنما الحيرة في فهم المراد … مثل داء يجهل الطب دواه
أنا من شئ إلى شئ أفر … حول نفسي مثل مخمور أدور