النفس الضائعة
للأديب سيد قطب
أثِني أنا؟ أم ذاك رمزٌ لغابر؟ … لأنكرتُ من نفسي أخصَّ شعائري!
لأنكرتُ إحساسي، وأنكرتُ منزعي … وأنكرت آمالي، وشَتَّى خواطري
وأنكرتُ شِعري، وهو نفسي بريئةً … ممحضةً من كل خِلطٍ مخامر
ويفصلني عما مضَى من مشاعري … عهودٌ وآباد طوال الدياجر
وأجبها ذكرى، ولكنَّ بُعدَها … يخيَّل لي أن لم تمر بخاطري!
أنقَّب عن ماضيَّ بين سرائري … فألمحه كالوهم أو طيف عابر
أعيش بلا ماضٍ كأنيَ نبتةٌ … على السطح تطفو في مهب الأعاصر
وما غابرُ الإنسان إلا جذوره … فهل تمَّ نبت دون جذر مؤازر
أنقب عن نفسي التي قد فقدتُها … بنفسي التي أعيا بها غير شاعر
وأطليها في الروض إذ كان همها … تأمله، يُفضي بتلك الأزاهر
وفي الليل إذ يغشى وكانت إذا غفا … تيقظ فيها كل غاف وسادر
وفي الليلة القمراء إذ تهمس الرؤى … وتومئ للأرواح إيماء ساحر
وفي الفجر، والأنداء يقطرن، والشذى … يفوح، ويشجي سمعه لحن طائر
وفي الحب إذ كانت شواظا وحرقة … ومهبط آمال ومطمح ثائر
وفي النكباء، والغبطة التي … تجود بها الأقدار جود المحاذر
ولكنني أيئستُ أن ألتقي بها … وتاهت بوادٍ غامر التيه غائر
سأحيا إذن كالطيف، ليست تحسهُّ … يدان، ولا يجلوه ضوء لناظر
سيد قطب