هتفت شمائله بملء لهاتها … ترثيه قبل هتافنا برثائه
والله ما نظم الرثاء لراحل … كلسان ما أسداه من آلائه
ومن الثناء ممحض ومموه … لكن صدق القول غير ريائه
هذا الذي ولى نقي الثوب ما … من شبيهة علقت بذيل ردائه
قد كان أرفع قيمة من دهره … وأجل من حرمانه وعطائه
النفي لم يقدر على إخضاعه … والحكم لم يقدر على إغرائه
من أجل مصر ما يجيش بصدره … من حبه للناس أو بغضائه
وإذا أحب فلن نراه محابيا … شتان بين حبيبه وحبائه
يهوي ويقلي وهو في كلتيهما … بالعقل مغلوب على أهوائه
وينال بالإسفاف منه غريمه … وبغير ذلك ينال من غرمائه
خصم شريف إذ يصول وربما … أغضى فكان القتل في إغضائه
حر حمى الأنف إن سيم الأذى … فالموت دون رضائه
أنف لو أن الخلد شيب هواؤه … بغبار ضيم عاف شم هوائه
وصراحة في الرأي يبديه وإن … لم يرض ذو الجبروت عن إبدائه
عجبي كيف استطاع الصدق في … لغة السياسة وهي من أعدائه
قد كان في هذا الزمان وأهله … معنى جميلا في كتاب شائه
لو كان صادف مثله (دوجين) لم … يبحث عن الرجل الشريف التائه
هذا الرفات سجل أكبر ثورة … بالله لا تطووه عن قرائه
خطو على مرآي العيون ضريحه … ثم أكتبوا التاريخ من إملائه
وخذوا الحقائق عنه بعد مماته … والميت مؤتمن على أنبائه
هذا بقية معشر قد خط فيه … صحف الجهاد كتابه بدمائه
اليوم نفقد صاحبيه بفقده … فنى الثلاثة جملة بفنائه
لما أهاب النيل في الجلي بهم … لبوه أطهر أنفسا من مائه
فتحوا على المعتل باب عرينه … ولقوه وهو يتيه في غلوائه
وسلاحه بدم العدو مخضب … والنصر معقود بظل لوائه