كأنيَ قَبرٌ ترامَى العفاءُ … على جانبيهِ وعَجّ البِلَى
وقلبي أُنشودةٌ حلْوةٌ … تغنى بها قافلاتُ الهوى
مررتُ بصحراءِ هذي الحياةِ … كما مرَّ الغُمْضِ طيفُ الكَرَى
على منكبيَّ بياضُ النَّهار … وفي مُقلتيَّ سواد الدُّجى
لئنْ نَقَمَ القلبُ أشجانهُ … لما كربتْهُ صُروفُ الرَّدى
وإن أنكرتهْ الأماني العذابُ … فما حَفَلَ الدهرَ مُرَّ الشَّجا
تصبَّرتُ حتى فقدْتُ المعِينَ … وأجملْتُ حتى مَلِلْتُ الأُسا
فيا قلْبُ حَبْسٌ عليكَ العذَابُ … ويا عينُ وقفٌ عليكِ البُكا
أُحسُّ كأنيَ قمرْيَّةٌ … تنُوحُ على حُلُمٍ قد نَأَى
تُودِّعُ آمالهَا الضحكاتِ … وما ضَمَّ عالمُها منْ دُمى
وتمشي إلى شَجَنٍ قاتمٍ … رهيبِ الكونِ سحيقِ الهُوى
عييتُ بحبِّيَ لَمَّا استفاضَ … وذُقْتُ لذاذَتهُ مذْ مضى
وعشتُ بفرحتهِ حالما … أَطوفُ بأوهامهِ والرُّؤَى
فيالكَ من جَدوِلٍ هانئٍ … إذا شَربَ القلّبُ منه ارتوى
فواردُهُ لا يُحسُّ الشقآَء … وراشفُهُ لا يذوق الصَّدى
ويا رُبَّ واهٍ براهُ الهزال … ترشَّف أمواههُ فاشتفى
وسكران من كأسِ هذا الزَّمان … تنشَّقَ نافحه فانتشى
تموجُ الغُيوبُ بأعطافه … ويطفحُ في حافتهِ الجَدَا
خلَا منْ منا كدِ هذي الحياةِ … ومن رتقِ جرعتها والقذى
يُعنِّى فيهتزُّ هذا الوجودُ … ويشدو فيطربُ هذا الوَرَى
أُحِبُّ السماَء ولكنما … يدافعني عنْ هواي الثرى
هي الأرض مهدى أَتى شردْ … ت وحنّقْت في الكائنات العلى
ولكنَّ روحي مِلْكُ الخلودِ … ورهن البقاءِ وخذن السَّنا
أنور العطار