ذهب الشباب
للأستاذ فخري أبو السعود
ذهب الشبابُ وغاض ذلك الرونقُ … لم يبقَ إلا حسرة وتحرُّقُ
لم يبق إلا ذكر عهد زائل … إذ أنت أملَحُ مَن يُحَبُّ ويُعْلَقُ
حالَ الجمالُ فلا قَوامٌ مرهفٌ … يصبي النفوسَ ولا محيًّا مُشرِق
ما أنت إلا الروض صُوِّحَ بعد إذ … هو مثمرٌ نضر الأزاهر مورق
ولقد يُجاد الروضُ بعد جفافه … ويَجِدُّ من أبراده ما يَخْلَق
وأرى جمالك ليس يَبْعَثٌ مَيْتَهُ … شمسٌ تضئ ولا غمامٌ يُغدِق
ولقد يروق الزهرُ بعد ذبوله … وتَظَلُّ منه ريحة تتَنَشَّقُ
ورأيتُ حُسنَك حين أدبَرَ لم يَذَرْ … إلا قذى يُؤْذي العيونَ ويُوبق
إلا مَقَاَبحَ كم تحاول سَتْرَها … فتَنُمُّ من دون الطلاء وتنطق
قد جّفَّ عودُك والصِّبا مازال في … أعطاف غيرك ناضراً يترقرق
ألْوَتْ بِقَدِّكَ بعد لين مَهَزِّهِ … غِيَرُ الزمانِ وما عليها موثق
رَهَّلْنَهُ في حيث تَجْمُلُ دِقَّةٌ … وهَزَلْنَهُ حيث الجزالةُ أخْلَق
فَغَدَتْ تَقَحَّمُهُ العيونُ وطالما … قد راعها منه الرُّواء المونق
وتبدلَّ الطبعُ المحبَّب لم يَعُدْ … دَلٌ يَشُوق ولا شمائلُ تُعْشَقُ
وتَطَامَنَ القلبُ الأبيُّ وإنَّهُ … بالأمس لَلْحِصْنُ المنيعُ المغلق
ومضى شِمَاسٌ كان فيك سجيةً … فاليوم فيك وداعةٌ وتَرَفُق
واليوم فيك تلطُّفٌ وموَدَّة … كم كان يخطبها المحبُّ الشَّيِّق
وتخلفَتْ بك في الهوى أسبابُهُ … ولقد عَهِدْتُك سابقاً لا يُلْحَقُ
ولقد عَلمِتْك في الملاحة مُفْرَداً … ما لاحَ من حُسْنٍ جِوَارَك يُمْحَق
كانت لحُسْنِك دولةٌ فتفرقَتْ … هيهات يجُمع شملُها المتفرق
نُثِرَتْ كِنانةُ عابديك وكلُّهم … سالٍ لعهدِك أو لحالك مُشفق
وانفضَّ منهم مخِلصٌ ومُنافِقٌ … وأقَلَّ مَدْحَكَ صادقٌ ومُمَلِّق
وغَدَوْتَ بعضَ الناسِ حيث تسير لا … مجدٌ يَحُفُّ ولا جَلَالٌ يُحْدِقُ