أتفوتونا وتُعجزونا (¬١)، أم قدرتنا ومشيئتنا محيطة بكم، ولو كنتم كذلك؟
وهذا من أبلغ البراهين القاطعة التي لا تعرض فيها شبهة البتّة، بل لا تجد العقول السليمة غيرَ الإذعان (¬٢) والانقياد لها. فلما علم القوم صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن يعيدهم، فقالوا: من يعيدنا؟ وهذا سواء كان سؤالًا منهم عن تعيين المعيد أو إنكارًا منهم له، فهو من أقبح التعنُّت وأبينه (¬٣). ولهذا كان جوابه: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
ولما علم القوم أن هذا جواب قاطع انتقلوا [٨٣/ب] إلى باب آخر من التعنُّت، وهو السؤال عن وقت هذه الإعادة، فأنغضوا إليه رؤوسهم وقالوا: متى هو؟ فقال تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (¬٤). فليتأمَّل اللبيب (¬٥) لطفَ موقع (¬٦) هذا الدليل، واستلزامه لمدلوله استلزامًا لا محيد عنه، وما تضمَّنه من السؤالات والجواب عنها أبلغَ جواب وأصحَّه وأوضحَه. فللّه ما يفوت المُعْرِضين عن تدبُّر القرآن، المتعوِّضين عنه بزُبالة الأذهان ونُحاتة (¬٧) الأفكار!