أعلى السور بسرياق ومعه خمس أنفس من أعيان دمشق، فغاب عند تمرلنك ساعة ثم رجع من عنده فأخبر بأن تمرلنك تلطف معه في القول وقال له: "هذه بلد فيها الأنبياء وقد أعتقتها لهم". .. وذكر عنه أنه قد زار قبر أم حبيبة إحدى أزواج رسول الله ﷺ، فلما زاره قال: "يا أهل الشام، مثل هذا القبر يكون بلا قبة؟ أنا ان شاء الله تعالى أبنى عليه قبة". .. وذكر عنه أنه كان في مجلسه كثيرا ما يذكر الله تعالى ويستغفر من ذنوبه، وأن السبحة لا تزال في يده دائما كما قال ابراهيم المعمار:
قد بلينا بأمير … ظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهم … يذكر الله ويذبح
وشرح ابن مفلح عن تمرلنك محاسن كثيرة، وجعل يخذل أهل الشام عن قتال تمرلنك ويرغبهم في طاعته … فصار أهل البلد فرقتين: فرقة ترى ما رآه ابن مفلح، وفرقة ترى محاربته ولم تسمع قول ابن مفلح. وكان أكثر أهل البلد يرون محالفة ابن مفلح، ولم يرجعوا عن قتال تمرلنك وهم الجم الغفير من أهل دمشق فباتوا على ذلك ليلة الاثنين، فلما أصبحوا يوم الاثنين غلب رأى ابن مفلح وأصحابه على تلك الطائفة المخالفة لذلك.
ثم أن ابن مفلح قصد أن يفتح باب النصر الذي بدمشق، فمنعه من ذلك نائب قلعة دمشق وقال لهم: "إن فعلتم ذلك أحرقت البلد جميعها".
ثم أن ابن مفلح أخذ أعيان أهل دمشق من العلماء والقضاة والمشايخ وتوجهوا إلى تمرلنك من أعلى السور بسرياقات. فلما توجهوا إلى تمرلنك باتوا في وطاقه تلك الليلة وأضافهم، فلما أصبحوا رجعوا إلى دمشق وعلى أيديهم مثال من عند تمرلنك مكتوب فيه تسعة أسطر يذكر فيها أمانا لأهل دمشق، فقرأ ذلك المرسوم على أهل دمشق في جامع بني أمية، ففرح أهل دمشق بذلك وفتحوا باب المدينة وهو الباب المسمى بالصغير، فحصل لهم طمأنينة وما يعلم ما في القلوب إلا الله. وقد قيل في المعنى:
لقد ضرني من كنت أرجو به نفعا … وقد ساءني أفعاله خلتها أفعى
إذا ما بدا لي ضاحكا زدت خيفة … وفي ضحكة الأفعى فلا تأمن اللسعا
فلما فتحوا باب دمشق دخل إلى المدينة أمير من أمراء تمرلنك وجلس على الباب وأظهر أنه يحفظ المدينة من أذى عسكرهم.
ثم أن تمرلنك أرسل خلف ابن مفلح وقرر معه بأن يجبي له من أهل دمشق ألف ألف دينار، فلما رجع ابن مفلح من عنده شرع في استخراج ذلك من أهل دمشق. فلما كملت