فلما تكامل جبى الأموال تكلم الناس في حق يلبغا السالمي بأنه أخذ لنفسه في هذه الحركة من الناس أضعاف ما أورده للسلطان. فلما كثر الكلام في حقه قبض عليه السلطان وخلع على المقر السعدي سعد الدين ابراهيم بن غراب واستقر به استادارا فصار ناظر الجيوش المنصورة وناظر الخواص الشريفة واستادار العالية. ثم أن السلطان سلم إليه الأمير يلبغا السالمي، وكذلك الصاحب شهاب الدين أحمد بن قطينة سلمه إلى ابن غراب أيضا.
ثم أن السلطان عرض أجناد الحلقة والبحرية، فكل من يكون قادرا على السفر يأمره بالسفر، وكل من يكون عاجزا عن السفر يقيم له بديلا أو يأخذ منه نصف خراج اقطاعه عن سنة كاملة. وفرع أشياء كثيرة من أبواب هذه المظالم، فجمع من ذلك جملة كبيرة، وقوى عزمه على العود إلى الشام ليوقع مع تمرلنك مرة أخرى، وينفق ما جمعه من المال على العسكر.
ثم أخذ في أسباب جمع عربان، فحضر كاشف البحيرة وصحبته ستة آلاف فارس من عربان البحيرة، وحضر شيخ العرب ابن بقر وصحبته ألفان وخمسمائة فارس من عربان الشرقية، وحضر شيخ بني وائل وصحبته ألف وخمسمائة فارس من بني وائل، وجاءت الأخبار من عند الأمير نعير شيخ آل فضل بأنه قد جمع خمسة آلاف فارس من عربان جبل نابلس. ثم صار العسكر الذي انقطع في الشام يدخلون، فصار السلطان ينعم على كل مملوك بجامكية شهرين معجلا، وينعم عليه بألف درهم خارجا عن الجامكية، ليرفع أحوالهم، وقد شرع في أمر النفقة عليهم والعود إلى السفر نحو الشام.
هذا ما كان من أمر الملك الناصر فرج بعد حضوره من دمشق.
وأما ما كان من أمر أهل دمشق مع تمرلنك بعد خروج السلطان منها فانه خرج إلى الشام في ليلة الجمعة حادي عشرى جمادي الأولى من السنة المذكورة، فأصبح الناس في يوم السبت مائجين في بعضهم، وغلقوا أبواب المدينة وركبوا على الأسوار، وصاروا يترامون بالنشاب على عسكر تمرلنك. وصار أهل دمشق يسحبون بعضهم بعضا على القتال، فكان بينهم في أول يوم واقعة عظيمة، فقتل في ذلك من عسكر تمرلنك نحو ألفي إنسان.
فلما كان يوم الأحد أرسل تمرلنك يطلب من أعيان دمشق رجلا من عقلائهم حتى يمشي بينه وبين أهل دمشق في الصلح. فلما أتى قاصد تمرلنك بهذه الرسالة اشتور أهل دمشق فيمن يرسلونه إلى تمرلنك، فوقع الاختيار أن يرسلوا إليه القاضي تقي الدين بن مفلح الحنبلي، فانه كان إنسان طلق اللسان يعرف بالتركي وباللسان العجمي، فأرخوه من