ثم أن الملك الأشرف برسباي مرض عقيب ذلك وسلسل في المرض، فحصل له ماليخوليا وخفة عقل ونزق، فرسم بنفي الكلاب إلى بر الجيزة، فصار كل من أمسك كلبا يأخذ له نصف فضة من صيرفي باب السلسلة، فأمسك العياق من الكلاب نحو ألف كلب فنفوهم إلى بر الجيزة.
ثم أنه نادى بأن امرأة لا تخرج من بيتها مطلقا، فكانت الغاسلة إذا أرادت التوجه إلى ميتة تأخذ ورقة من المحتسب، وتجعلها في رأسها حتى تمشي في السوق.
ثم أنه نادى في القاهرة بأن فلاحا لا يلبث زمطا مطلقا، لا من كبير ولا صغير، فامتثل الناس ذلك.
ثم أنه رسم بتوسيط الحكماء، فوسط الرئيس خضر، ووسط الرئيس شمس الدين بن العفيف.
واستمر على هذه الخرافات إلى أن مات، فكانت وفاته في يوم السبت بعد العصر، فبات بالقلعة وأخرجوه في يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة سنة احدى وأربعين وثمانمائة، ودفن بتربته التي أنشأها عند البرقوقية بالصحراء، وصلى عليه العلامة ابن حجر.
ومات وله من العمر نحو خمس وسبعين سنة. وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، فكثر عليه الحزن والأسف من الناس. فان مصر كانت هادية في أيامه من الفتن والحروب التي كانت في الدول الماضية.
وقد قال القائل:
والمرء كالظل ولا بد أن … يزول ذاك الظل بعد امتداد
قيل إن الملك الأشرف لما ثقل في المرض أحضر الخليفة إلى داره والقضاة الأربعة وسائر الجند والأمراء، وحلف المماليك ثم أنفق عليهم لكل واحد ثلاثون أشرفيا، وعهد إلى ولده يوسف بالسلطنة، وجعل الأتابكي جقمق العلائي وصيا عليه ونظام المملكة. ثم أنه رسم بأن يعاد إلى أجناد الحلقة من أولاد الناس ما أخذ منهم بسبب الاقطاعات كما تقدم، فرسم للأمير أركماس الظاهري بأن يعاد إلى كل واحد ما أخذ منه بالتمام والكمال ويكتب عليه شهادة بذلك، فأعادوا إلى أجناد الحلقة ما كان أخذ منهم.
وكان الملك الأشرف برسباي ملكا جليلا مبجلا في موكبه، وكان منقادا إلى الشريعة ويحب أهل العلم ويقربهم. وكانت معاملته أحسن المعاملات من أجود الذهب والفضة، ولا سيما الأشرفية البرسبيهية، فانها من خالص الذهب، وإلى الآن يرغب إليها الناس في المعاملة.
وكانت صفة الملك الأشرف برسباي أنه عربي الوجه، طويل القامة، أبيض اللون، مستدير اللحية شائب الذقن، حسن الشكل، صبيح الوجه، عليه سكينة ووقار ومهابة مع لين جانب.