وفيه توفى القاضي صلاح الدين خليل بن السابق، وكان فاضلا رئيسا حشما، ولي كتابة سر حلب وكتابة سر دمشق ونظر جيشهما وغير ذلك من الوظائف، وكان حسن السيرة.
وفيه ثارت فتنة عظيمة. وسبب ذلك أن طائفة من المماليك الظاهرية استمالوا بعض جلبان السلطان. وكان السلطان عين تجريدة قبل ذلك للبحيرة، وكتب غالب الجند فيها من المماليك الظاهرية، وعين الباش عليهم الأمير خشقدم أمير سلاح. فلما جرى ذلك وقفوا في الرميلة حتى نزل الأمير يونس الدوادار الكبير، فلاقوه بالدبابيس، وجرح في ذلك اليوم شخص من المماليك وقطعت أصابعه، ثم أن الأمير يونس الدوادار تحيل في صعوده إلى القلعة وأعلم السلطان بذلك، فطلب السلطان جاني بك المرتد، ومرجان مقدم المماليك، وبعث بهما لكشف الأخبار، وما سبب وثوب المماليك على الأمير يونس الدوادار. ثم أن نوكار الزردكاش أتى إلى المماليك الجلبان الذين وثبوا مع طائفة من المماليك الظاهرية ليستميلهم عن ذلك ويسترضيهم، فعاد الجواب الأول بأن يسلمهم الأمير يونس الدوادار، وقد صمموا على ذلك، وكانت هذه الحركة في سلخ جمادي الآخرة.
*****
فلما استهل رجب بدأ السلطان بضرب الأكرة، فلم يطلع غالب الأمراء إلى القلعة. ثم أن المماليك أصبحوا لابسين آلة الحرب، ووقفوا بسوق الخيل. وقد اشتد الأمر، ومنعوا الأمراء من الصعود إلى القلعة، فبعث السلطان يقول للخليفة: "غيب من بيتك حتى تسكن هذه الفتنة". فلم يغب من بيته، فتوجه إليه المماليك وأركبوه من بيته وأتوا به إلى البيت الكبير الذي عند حدرة البقر، فأقام به، واشتد القتال. فلما بلغ السلطان ذلك نزل إلى باب السلسلة وجلس بالمقعد المطل على الرميلة، وعلق الصنجق السلطاني على رأسه، ودقت الكئوسات حربيا، فوقع في ذلك اليوم قتال هين … فلم تكن إلا ساعة يسيرة وقد انفض ذلك الجمع وفر المماليك شيئا بعد شيء، فلما رأى ذلك المماليك الظاهرية تسحبوا من الرميلة - وقد اشتد الحر - وتوجه كل أحد من المماليك إلى داره. وكان رأس الفتنة من المماليك الظاهر يشبك بن مهدي، وكان يومئذ جنديا من جملة المماليك السلطانية، فلما انفض الجمع قام السلطان من المقعد وطلع إلى القلعة، وقام الخليفة أيضا وتوجه إلى داره، وخمدت هذه الفتنة، وكان الخليفة يظن أن هذه الحركة يحصل له فيها نفع كما حصل له في حركة الملك المنصور مع الأشرف اينال. فانه لما تسلطن أنعم على الخليفة حمزة باقطاع ثقيل