وقام من وقته وأخذ عياله وأولاده وخرج من الشام هاربا، فلما خرج نهبوا دار السعادة وأخذوا جميع بركه وقماشه. فلما خرج من الشام توجه إلى نحو مدينة الرها واستمر في هجاج وعصيان فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بذلك عين له السلطان تجريدة وعين الأمير جاني بك نائب جدة أمير العسكر، فأخذ في أسباب ذلك.
ثم أن السلطان خلع على خشداشيه المقر السيفي تنم المؤيدي واستقر به نائب الشام عوضا عن جانم الأشرفي لما تسحب من الشام، فأقام الأمير تنم في نيابة الشام إلى أن مات هناك ودفن بالشام، والله ﷾ أعلم.
سنة ست وستين وثمانمائة (١٤٦١/ ١٤٦٢ م):
فيها عمل السلطان الموكب في القصر الكبير. فلما طلع الأمراء واجتمعوا بالقصر عول في تلك الليلة على مسك جماعة من الأمراء الأشرفية، فلما كان بعد العشاء غلقوا أبواب القلعة، ودخل على الامراء وهم في القصر جماعة من المماليك الظاهرية وهم لابسون الزرديات والخود، وبأيديهم سيوف مسلولة، ومع بعضهم قسي ونشاب، فقبضوا على الأمير جاني بك الظريف، والأمير جاني بك المشد، والأمير بيبرس خال العزيز، وغيرهم من الأمراء الأشرفية نحو من اثنى عشر انسانا. فلما قبضوا عليهم قيدوا الأمراء المقدمين ونزلوا بهم من القلعة، وهم: الأمير جانى بك الظريف، والأمير بيبرس خال العزيز، والأمير جاني بك المشد، وغير ذلك من الأمراء العشراوات فلما نزلوا بهم توجهوا بهم إلى السجن بثغر الاسكندرية.
فلما جرى ذلك وثب جماعة الأشرفية على الملك الظاهر خشقدم، ولبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرميلة، فنزل إليهم جماعة من المماليك الظاهرية فوقعوا معهم.
ثم أن المماليك الأشرفية توجهوا إلى الأتابكي جرباش كرت - وكان في تربة الظاهر من برقوق بسبب موت ابنته التي ماتت نفساء، وهي زوجة الأمير أقبردي اليوسفي - فلما توجهوا إليه اختفى الأمير جرباش منهم في فسقية الموتى ولم يقابلهم، فلم يزالوا عليه حتى طلعوا به من فسقية الموتى، وسلوا عليه السيوف وأركبوه غصبا، وشالوا على رأسه صنجقا، ودخلوا به من باب النصر وشقوا به من القاهرة ولقبوه بالملك الناصر فصار العوام يضجون له بالدعاء، حتى وصل إلى البيت الكبير الذي عند حدرة البقر، فأقام هناك. ثم أن الأشرفية قاتلوا قتالا هينا وكان رأس هذه الفتنة الأمير سنقر فرق شبق الزردكاش وكان من شرار جماعة الأشرفية، فلم يطبوا طبة، وصارت أحوالهم سبة.