وفي ربيع الآخر نزل السلطان إلى نحو خليج الزعفران على سبيل التنزه، وكان معه الأتابكي أزبك وجماعة من الأمراء، فأقام هناك إلى آخر النهار، فلما عاد ووصل إلى الحسينية وجد في طريقه جنازة، وهي امرأة غريبة ليس معها أحد من الناس سوى الحمالين، فنزل عن فرسه ومن معه من الأمراء، فصلى عليها في قارعة الطريق. وقدم الجماعة الذين حضروا الصلاة فعد ذلك من النوادر. وقد وقع مثل هذه الواقعة للأمير أحمد ابن طولون، واستمر ماشيا قدام الميت حتى واراه التراب.
وفيه بعث السلطان إلى الأمير أزبك اليوسفي أحد الأمراء المقدمين، فخلع عليه وقرره في نيابة عينتاب، فنزل إلى داره وهو مهموم، وأقام على ذلك أياما حتى شفع فيه الأتابكي أزبك وأعفى من ذلك.
*****
وفي جمادي الأولى حضر محمد بن نائب بهنسا بمكاتبة يذكر فيها انحلال أمر سوار من الأمير يشبك، وأن عسكر سوار قد فل عنه، وهو خائف من العسكر، ثم أرسل الأمير يشبك يطلب من السلطان نفقة للعسكر يتوسع بها، فان العليق كان هناك مشحوتا، فبعث السلطان مائة ألف دينار تفرق على العسكر هناك.
وفي هذا الشهر كانت وفاة قاضي القضاة عز الدين أحمد الحنبلي، وهو أحمد بن ابراهيم ابن نصر الله بن أحمد بن محمد بن هاشم بن اسماعيل بن نصر الله بن أحمد العسقلاني الحنبلي، وكان عالما فاضلا متواضعا فكه المحاضرة، بقية الناس، سمع على جماعة من العلماء وأجازوه، وناب في الحكم مدة، ثم ولى القضاء الأكبر بعد وفاة قاضي القضاة بدر الدين البغدادي في سنة سبع وخمسين وثمانمائة، واستمر في هذه الولاية مدة طويلة نحوا من عشرين سنة، وباشر منصب القضاة بعفة ونزاهة، وحمدت عند الناس سيرته، وانتهت اليه رياسة مذهبه، وولى عدة تداريس جليلة، وعاش من العمر مدة طويلة وقد قارب الثمانين سنة، ومولده سنة ثمانمائة، فلما مات استمر منصب القضاء شاغرا لم يتول به أحد، فأقام نحوا من أربعة أشهر، وكان السلطان أرسل خلف برهان الدين بن مفلح من الشام ليلى القضاء، وكان السلطان رسم لبدر الدين السعدي تلميذ قاضي القضاة عز الدين الحنبلي، بأن ينظر في الأحكام المتعلقة بمذهبه إلى أن يحضر البرهان ابن مفلح من الشام. فلما عاد القاصد الذي توجه إلى ابن مفلح أخبر بأن ابن مفلح مريض، وأرسل يعتذر للسلطان في عدم الحضور إلى القاهرة، وتعلل بأشياء تدل على عدم قبوله للولاية.
فلما عاد هذا الجواب على السلطان أخذ القاضي كاتب السر ابن مزهر يسعى للسعدي في