وفي ذي القعدة غرقت مركب ببحر النيل، وكان فيها بضائع كثيرة لتجار من الأروام، ولم ينج منها سوى ثلاثة أنفار، فعين السلطان شرف الدين بن كاتب غريب، ومعه القاضي جلال الدين ابن الأمانة احد نواب الشافعية، إلى المكان الذي غرقت فيه المركب لضبط ما يظهر من تلك البضائع التي غرقت هناك، فلم يظهر من ذلك إلا اليسير وغرق الأكثر.
وفيه قدم قاصد من عند حسن الطويل، وعلى يده هدية للسلطان ومكاتبة فيها أشياء سرا، فلم ينشرح السلطان لقدوم هذا القاصد، ولم يعلم ما في المكاتبة.
وفيه توفى يوسف بن مغلطاي نائب ثغر دمياط وكان لا بأس به.
وفيه وقعت فتنة كبيرة بين بني حرام وبني وائل. وكثر الفساد من العربان بالشرقية، حتى امتنع مرور الناس من الأسفار إلى الشرقية من كثرة القتل، وقطع الطريق، وسلب أثواب المسافرين.
*****
وفي ذي الحجة وصل قاصد من عند يشبك الدوادار ومعه مكاتبة، يخبر فيها أن سوارا أرسل يطلب الأمان لنفسه، وأنه يقيم بقلعة زمنوطو هو وعياله. فقال له الأمير يشبك:
"حتى نكاتب السلطان بذلك".
وفيه قدم اياس الطويل المحمدي الذي كان نائب طرابلس، فاكرمه السلطان وخلع عليه وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش، ورسم له بأن يعود إلى طرابلس، وأنعم عليه بأمرية بطرابلس يأكلها وهو طرخان، وكان قد شاخ وكبر سنه وعجز عن الحركة.
وفيه وصل الأتابكي جرباش كرت من ثغر دمياط هو ويشبك الفقيه، الذي كان دوادار كبيرا وشفع فيه بعض الأمراء بأن يكون بداره بطالا حتى ينتهي أجله. فرسم السلطان بإحضاره هو ويشبك الفقيه، فلما طلع الأتابكي جرباش إلى السلطان عظمه، وقام إليه وأجلسه إلى جانبه. ثم أن الأتابكي جرباش قام وقبل يد السلطان في أن يشفع في جاني بك كوهيه، بأن يحضر هو أيضا إلى القاهرة، وكان بثغر دمياط. فأجابه السلطان إلى ذلك، ورسم بإحضاره، ثم خلع على الأتابكي جرباش ويشبك الفقيه، ونزلا إلى دارهما.
وفيه أمر السلطان بإنشاء البرج العظيم بقرب ثغر رشيد، فجاء غاية في الحسن من البناء والاتقان وفيه تزايد فساد بني حرام وبني وائل، وفسدتت أحوال الشرقية، فعين لهم السلطان تجريدة، وكان بها من الأمراء الأتابكي أزبك وجاني بك قلقسير أمير سلاح وأزدمر الطويل، أحد المقدمي الألوف، وعين معهم جماعة كثيرة من الجند، وأمرهم بالخروج إلى الشرقية سريعا.