ذلك عرض السلطان العسكر، وعين تجريدة إلى قصروه، وعين بها من الأمراء المقدمين ثمانية، ومن الأمراء الطبلخانات والعشراوات نحوا من ثلاثين أميرا، ومن المماليك السلطانية ألفي مملوك، وأظهر السلطان أنه يخرج إلى الشام عقيب ذلك بنفسه.
وفيه جاءت الأخبار بقتل قاني بك أحد الدوادارية الذي كان توجه إلى قصروه لكشف الأخبار، وكان قد سافر من البحر الملح لموجب فساد الطرقات.
وفيه قويت الإشاعات أن السلطان أرسل بالقبض على الأمير طومان باي الدوادار، وهو بالصعيد. وكانت هذه الإشاعات أكبر الفساد في زوال ملك الظاهر قانصوه. فلما قويت الإشاعات بذلك نادى السلطان في القاهرة بأن أحدا لا يكثر كلاما فيما لا يعنيه، وأن الأمير طومان باي دوادار كبير على عادته. وكان ترك هذه المناداة أصوب، وقد تأكد الأمر بذلك.
وفيه هجم المنسر على سوق الوراقين، وسوق الهرامزة، وكسروا عدة حوانيت، ونهبوا ما فيها وقتلوا ثلاثة من الغفراء، وكان المنسر نحوا من مائة نفر ما بين مشاة وركاب، ومعهم قسى ونشاب، فنهبوا قماشا بنحو عشرة آلاف دينار.
وكانت هذه من الوقائع المهولة.
وفيه كانت وفاة الرئيس نور الدين بن رحاب، المغني الناشد المادح، فريد عصره ووحيد دهره.
وكان من نوادر الزمان ينظم الشعر ويلحن الخفائف بألحان غريبة، وكان آخر مغاني الدكة في الدخول والطرب، ولم يجيء بعده أحد في الدخول مثله، وقد رثيته بعد موته بهذه الأبيات)
توفي نزهة الأسماع طرا … وصار العيش منا في ذهاب
وناحت بعده الآلات حزنا … وأظهرت الصراخ مع انتحاب
وأبدى الدف والماصول زعقا … كمن جاء المآتم في المصاب
وأضحى الناس في قلق ولم لا … وقد ضاق الوجود بلا رحاب
وفي آخره حضر الأمير طومان باي الدوادار، وكان مسافرا إلى جهة الصعيد. فلما حضر إلى الجيزة خرج الأمراء والعسكر قاطبة إلى ملاقاته، فأقام بالجيزة ولم يعد، فتوجه