قال بعضهم: دخلت كهفًا فوجدت شيخًا قد نحل من الهرم وهو ساجد يبكي، ويقول: لئن أطلت عنائي (¬١) في الدنيا وعذبتني في الآخرة، لقد أبعدتني وأهنتني يا كريم. فلما قضى سجوده سلمت عليه، وقلت له: ما حملك على الانقطاع؟ قال: يا أخي، من طلب الله لم يرض بغيره عوضًا، فحيثما وجدت قلبك أقرب إلى الله فلا تطلب غيره. قلت له: فالقوت من أين؟ قال: الأمر أقل من ذلك؛ إذا احتجنا إلى ذلك فنبات الأرض وقلوب الشجر. قلت: ألا أحملك إلى مواضع الخصب؟ قال: الخصب حيث يطاع الله ﷿، ولا حاجة لي بالناس. قلت له: أوصني. قال: لا تدَّخر من نفسك شيئًا، ولا تؤثرن بحظك من الله أحدًا، وارع حدود الله عند مغالبة الهوى، ولا ترد بعملك غير الله تعالى والسلام. ثم اشتغل عني بالبكاء (¬٢).
فانظر رحمك الله! إلى خوف أهل الطاعة، مع كثرة الاجتهاد والانقطاع والقناعة؛ (وإلى أمننا) (¬٣) مع الاختلاط بالناس، والتخليط، وحب الدنيا، وترك العمل الصالح مع وجود الاستطاعة، والمصيبة العظمى غفلة أحدنا عن الموت وأهوال يوم الساعة مع كثرة الإفلاس وقلة البضاعة.
كان مالك بن دينار (رحمنا الله تعالى به) (¬٤) إذا صلى ورده ليلًا يقول: إلهي خلقت دارين وخلقت لكل دار أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرِّم شيبة مالك على النار (¬٥).