على التجريد يهوِّن الله عليك الأمور، ويبلغك إلى ما تريد، وتكون موافقًا (¬١) لسيد الموالي والعبيد صلى الله عليه صلاة دائمة إلى يوم القيامة، يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، فيكون قد طاب وقت هذا العبد لمعاملته لله، ولشفقته على خلق الله، فيترك الدنيا بنفسه، فحينئذٍ يتغير حاله فكان يعطي صار يستعطي، وكان همه الرازق، صار همه طلب الرزق، فينتحس الحال لأجل الطلب من الناس ولذل (¬٢) السؤال؛ لأنه قام بنفسه، ومن قام بنفسه سقط، ومن أقامه الحق ثبت.
وهذه الأشياء وما يقاربها من تلبيس إبليس، ثم يدخل يوسوس هذا الشيطان المريد على رجل قد انصلح حاله في الزهد والتجريد، وفي خدمة المولى المجيد فيقول: ليس الرجل من ينتظر من يطعمه، الرجل من يعمل ويأكل ويطعم، ويروي له ما كان على ذهن الرجل من الأحاديث كقوله ﷺ: «أحل ما أكل المرء من كسب يمينه، وإن داود نبيَّ الله كان يأكل من كسب يمينه» (¬٣)، وما جاء عن المشايخ المتسببين كإبراهيم بن أدهم، وسري السقطي، وإبراهيم الخواص، وغيرهم، فيترك التجريد، واعتزال الخلق، ثم يدخل في أسباب الدنيا، ويختلط بأهلها، فيتكدر عليه وقته بعد أن كان صافيًا، فإنه جاء في الحديث الصحيح، يقول الله تعالى: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك» (¬٤).