كُنْتُ إِلَى جَنْبِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَغَشِيَتْهُ (¬١) السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي؛ فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ سُرِّيَ (¬٢) عَنْهُ فَقَالَ: (اكْتُبْ يَا زَيْدُ) … فَكَتَبْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ﴾.
فَقَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ؟! … فَمَا انْقَضَى كَلَامُهُ حَتَّى غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَوَجَدْتُ مِنْ ثِقَلِهَا مَا وَجَدْتُهُ فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: (اقْرَأْ مَا كَتَبْتَهُ يَا زَيْدُ).
فَقَرَأْتُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ …
فَقَالَ: اكْتُبْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (¬٣).
فَنَزَلَ الاسْتِثْنَاءُ الَّذِي تَمَنَّاهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ …
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْفَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ وَأَمْثَالَهُ مِنَ الْجِهَادِ، فَقَدْ أَبَتْ نَفْسُهُ الطَّمُوحُ أَنْ يَقْعُدَ مَعَ الْقَاعِدِينَ، وَعَقَدَ الْعَزْمَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ … ذَلِكَ لأنَّ النُّفُوسَ الْكَبِيرَةَ لَا تَقْنَعُ إِلَّا بِكِبَارِ الأُمُورِ.
فَحَرَصَ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْم عَلَى أَلَّا تَفُوتَهُ غَزْوَةٌ، وَحَدَّدَ لِنَفْسِهِ وَظِيفَتَهَا فِي سَاحَاتِ الْقِتَالِ، فَكَانَ يَقُولُ: أَقِيمُونِي (¬٤) بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَحَمِّلُونِي الوَاءَ أَحْمِلُهُ لَكُمْ وَأَحْفَظُهُ … فَأَنَا أَعْمَى لَا أَسْتَطِيعُ الْفِرَارَ …
* * *
وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ عَقَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَزْمَ عَلَى أَنْ يَخُوضُ مَعَ "الْفُرْسِ" مَعْرَكَةً فَاصِلَةً تُدِيلُ (¬٥) دَوْلَتَهُمْ، وَتُزِيلُ مُلْكَهُمْ، وَتَفْتَحُ الطَّرِيقَ أَمَامَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ يَقُولُ: