وَلَمَّا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ وَقَفَ مَعَهُ هُوَ وَقَوْمُهُ مِنَ بَنِي "مُزَيْنَةَ" وَقْفَةً حَازِمَةً كَانَ لَهَا أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي الْقَضَاءِ عَلَى فِتْنَةِ الرِّدَّةِ.
* * *
وَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْفَارُوقِ كَانَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ فِي عَهْدِهِ شَأْنٌ مَا يَزَالُ التَّارِيخُ يَذْكُرُهُ بِلِسَانٍ نَدِيٍّ بِالْحَمْدِ، رَطِيبٍ بِالثَّنَاءِ.
* * *
فَقُبَيْلَ "الْقَادِسِيَّةِ" (¬١)، أَرْسَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ (¬٢) قَائِدُ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ وَفَدًا إِلَى "كِسْرَى يَزْدَجُرْدَ" بِرِئَاسَةِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ لِيَدْعُوَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ.
وَلَمَّا بَلَغُوا عَاصِمَةَ "كِسْرَى" فِي "الْمَدَائِنِ" (¬٣) اسْتَأْذَنُوا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُمْ، ثُمَّ دَعَا التَّرْجُمَانَ فَقَالَ لَهُ:
سَلْهُمْ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُمْ إِلَى دِيَارِنَا وَأَغْرَاكُمْ (¬٤) بِغَزْوِنَا؟! … لَعَلَّكُمْ طَمِعْتُمْ بِنَا وَاجْتَرَأَتُمْ عَلَيْنَا لِأَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمْ، وَلَمْ نَشَأْ أَنْ نَبْطِشَ بِكُمْ.
فَالْتَفَتَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ إِلَى مَنْ مَعَهُ وَقَالَ:
إِنْ شِئْتُمْ أَجَبْتُهُ عَنْكُمْ، وَإِنْ شَاءَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ آثَرْتُهُ (¬٥) بِالْكَلَامِ، فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ.
ثُمَّ الْتَفَتُوا إِلَى "كِسْرَى" وَقَالُوا:
هَذَا الرَّجُلَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِنَا فَاسْتَمِعْ إِلَى مَا يَقُولُ.
فَحَمِدَ النُّعْمَانُ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: