مَضَتْ أُمُّ صُهَيْبٍ مَعَ ابْنِهَا الصَّغِيرِ وَطَائِفَةٍ مِنْ حَشَمِهَا وَخَدَمِهَا إِلَى قَرْيَةِ "الثَّنِيِّ" مِنْ أَرْضِ "الْعِرَاقِ" طَلَبًا لِلرَّاحَةِ وَالاسْتِجْمَامِ، فَأَغَارَتْ عَلَى الْقَرْيَةِ سَرِيَّةٌ مِنْ سَرَايَا جَيْشِ "الرُّومِ"، فَقَتَلَتْ حُرَّاسَهَا، وَنَهَبَتْ أَمْوَالَهَا، وَأَسَرَتْ ذَرَارِيَهَا …
فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَسَرَتْهُمْ صُهَيْبٌ.
* * *
بِيعَ صُهَيْبٌ فِي أَسْوَاقِ الرَّقِيقِ بِبِلَادِ "الرُّومِ"، وَجَعَلَتْ تَتَدَاوَلُهُ الْأَيْدِي فَيَنْتَقِلُ مِنْ خِدْمَةِ سَيِّدِ إِلَى خِدْمَةِ آخَرَ، شَأْنُهُ فِي ذَلِكَ كَشَأْنِ الْآلَافِ الْمُؤَلَّفَةِ مِنَ الْأَرِقَّاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَمْلأُونَ قُصُورَ بِلَادِ "الرُّومِ".
* * *
وَقَدْ أَتَاحَ ذَلِكَ لِصُهَيْبٍ أَنْ يَنْفُذَ إِلَى أَعْمَاقِ الْمُجْتَمَعِ الرُّومِيِّ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ مِنْ دَاخِلِهِ، فَرَأَى بِعَيْنَيْهِ مَا يُعَشِّشُ فِي قُصُورِهِ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالْمُوبِقَاتِ (¬١)، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ مَا يُرْتَكَبُ فِيهَا مِنَ الْمَظَالِمِ وَالْمَآثِم. فَكَرِهَ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعَ وَازْدَرَاهُ (¬٢).
وَكَانَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إِنَّ مُجْتَمَعًا كَهَذَا لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الطُّوفَانُ.
* * *
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ صُهَيْبًا قَدْ نَشَأَ فِي بِلَادِ "الرُّومِ"، وَشَبَّ عَلَى أَرْضِهَا وَبَيْنَ أَهْلِيهَا.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ نَسِيَ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ كَادَ يَنْسَاهَا؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْ بَالِهِ قَطُّ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحْرَاءِ ..