وَأَخَذَ الصَّحَابَةُ يُنَقِّلُونَ أَبْصَارَهُمْ بَيْنَ الْجُلَاسِ وَفَتَاهُ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقْرَؤُوا عَلَى صَفْحَتَيْ وَجْهَيْهِمَا (¬١) مَا يُكنُّهُ (¬٢) صَدْرَاهُمَا.
وجَعَلُوا يَتَهَامَسُونَ … فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (¬٣): فَتًى عَاقٌّ أَبَى إِلَّا أَنْ يُسِيءَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُ: بَلْ إِنَّهُ غُلَامٌ نَشَأَ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَإِنَّ قَسَمَاتِ (¬٤) وَجْهِهِ لَتَنْطِقُ بِصِدْقِهِ.
وَالْتَفَتَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى عُمَيْرٍ فَرَأَى وَجْهَهُ قَدِ احْتَقَنَ (¬٥) بِالدَّم، وَالدُّمُوعُ تَتَحَدَّرُ مِدْرَارًا مِنْ عَيْنَيْهِ؛ فَتَتَسَاقَطُ عَلَى خَدَّيْهِ وَصَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ بَيَانَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ …
اللَّهُمَّ أُنْزِلْ عَلَى نَبِيِّكَ بَيَانَ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ …
فَانْبَرَى (¬٦) الْجُلَاسُ وَقَالَ: إِنَّ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ الْحَقُّ، وَإِنْ شِئْتَ تَحَالَفْنَا (¬٧) بَيْنَ يَدَيْكَ.
وَإِنِّي أَحْلِفُ بِاللهِ أَنِّي مَا قُلْتُ شَيْئًا مِمَّا نَقَلَهُ لَكَ عُمَيْرٌ.
فَمَا إِنِ انْتَهَى مِنْ حَلْفِهِ وَأَخَذَتْ عُيُونُ النَّاسِ تَنْتَقِلُ عَنْهُ إِلَى عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ حَتَّى غَشِيَتْ (¬٨) رَسُولَ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَعَرَفَ الصَّحَابَةُ أَنَّهُ