غَزْوَةٍ غَزَاهَا فِي حَيَاتِهِ - كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمَالِ لَا تَقِلُّ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّجَالِ؛ فَجَيْشُ "الرُّومِ" وَافِرُ الْعَدَدِ كَثِيرُ الْعُدَدِ، وَالْعَامُ فِي الْمَدِينَةِ عَامُ جَدْبٍ، وَالسَّفَرُ طَوِيلٌ، وَالْمَؤُونَةُ قَلِيلَةٌ، وَالرَّوَاحِلُ أَقَلُّ حَتَّى إِنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَاؤُوا إِلَى الرَّسُولِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ فِي حُرْقَةٍ أَنْ يَأْخُذَهُمْ مَعَهُ فَرَدَّهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، فَتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ. فَسُمُّوا بِالْبَكَّائِينَ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْجَيْشِ اسْمُ "جَيْشِ الْعُسْرَةِ".
عِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ الرَّسُولُ ﵊ أَصْحَابَهُ بِالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَاحْتِسَابِ ذَلِكَ عِنْدَ اللهِ، فَهَبَّ الْمُسْلِمُونَ يَسْتَجِيبُونَ لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﵊، وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُتَصَدِّقِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ؛ فَقَدْ تَصَدَّقَ بِمِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلنَّبِيِّ ﵇:
إِنِّي لَا أَرَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَّا مُرْتَكِبًا إِثْمًا؛ فَمَا تَرَكَ لِأَهْلِهِ شَيْئًا …
فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊:
(هَلْ تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ شَيْئًا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ؟).
فَقَالَ: نَعَمْ … تَرَكْتُ لَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا أَنْفَقْتُ وَأَطْيَبَ.
قال ﷺ: (كُمْ؟!).
قَالَ: مَا وَعَدَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الرِّزْقِ وَالْخَيْرِ وَالْأَجْرِ.
* * *
وَمَضَى الْجَيْشُ إِلَى "تَبُوكَ" … وَهُنَاكَ أَكْرَمَ اللهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ بِمَا لَمْ يُكْرِمْ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ غَائِبٌ؛ فَأَمَّ الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمَا كَادَتْ تَتِمُّ الرَّكْعَةُ الْأُولَى حَتَّى لَحِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمُصَلِّينَ، وَاقْتَدَى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَصَلَّى خَلْفَهُ …