سَمِعَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مِنَ الْغُلَامِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بَعْضًا مِمَّا يَحْفَظُ، فَإِذَا هُوَ مُشْرِقُ (¬١) الْأَدَاءِ، مُبِينُ (¬٢) النُّطْقِ … تَتَلَألَأُ كَلِمَاتُ الْقُرْآنِ عَلَى شَفَتَيْهِ كَمَا تَتَلَأْلأُ الْكَوَاكِبُ عَلَى صَفْحَةِ السَّمَاءِ …
ثُمَّ إِنَّ تِلَاوَتَهُ تَنُمُّ عَلَى تَأَثْرٍ بِمَا يَتْلُو …
وَوَقَفَاتُهُ تَدُلُّ عَلَى وَعْيِ لِمَا يَقْرَأُ وَحُسْنِ فَهُمٍ …
فَسُرَّ بِهِ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ إِذْ وَجَدَهُ فَوْقَ مَا وَصَفُوهُ، وَزَادَهُ سُرُورًا بِهِ إِتْقَانُهُ لِلْكِتَابَةِ … فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ وَقَالَ:
(يَا زَيْدُ، تَعَلَّمْ لِي كِتَابَةَ الْيَهُودِ (¬٣)، فَإِنِّي لَا آمَنْهُمْ عَلَى مَا أَقُولُ).
فَقَالَ: لَبَّيْكَ (¬٤) يَا رَسُولَ اللهِ.
وَأَكَبَّ (¬٥) مِنْ تَوِّهِ (¬٦) عَلَى "الْعِبْرِيَّةِ" حَتَّى حَذَقَهَا (¬٧) فِي وَقْتٍ يَسِيرٍ، وَجَعَلَ يَكْتُبُهَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لِلْيَهُودِ، وَيَقْرَؤُهَا لَهُ إِذَا هُمْ كَتَبُوا إِلَيْهِ. ثُمَّ تَعَلَّمَ "السُّرْيَانِيَّةَ" (¬٨) بِأَمْرِ مِنْهُ ﵊ كَمَا تَعَلَّمَ "الْعِبْرِيَّةَ".
فَأَصْبَحَ الْفَتَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ تَرْجُمَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
* * *
وَلَمَّا اسْتَوْثَقَ (¬٩) النَّبِيُّ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ رَصَانَةِ زَيْدٍ وَأَمَانَتِهِ، وَدِقَّتِهِ وَفَهْمِهِ؛ ائْتَمَنَهُ عَلَى رِسَالَةِ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَجَعَلَهُ كَاتِبًا لِوَحْيِ اللهِ …
فَكَانَ إِذَا نَزَلَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِهِ، بَعَثَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ وَقَالَ: