الْمُسْلِمِينَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَشْرِيَ (¬١) نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ، فَتَحَنَّطَ (¬٢) وَتَكَفَّنَ وَأَوْصَى أَخَاهُ …
فَمَضَى الرَّبِيعُ إِلَى أَبِي مُوسَى وَقَالَ: إِنَّ "الْمُهَاجِرَ" قَدْ أَزْمَعَ أَنْ يَشْرِيَ نَفْسَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَالْمُسْلِمُونَ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَطْأَةِ الْحَرْبِ، وَشِدَّةِ الصَّوْمِ مَا أَوْهَنَ (¬٣) عَزَائِمَهُمْ، وَهُمْ يَأْبَوْنَ الْإِفْطَارَ فَافْعَلْ مَا تَرَى.
فَوَقَفَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَنَادَى فِي الْجَيْشِ:
يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، عَزَمْتُ (¬٤) عَلَى كُلِّ صَائِمٍ أَنْ يُفْطِرَ؛ أَوْ يَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ … وَشَرِبَ مِنْ إِبْرِيقِ كَانَ مَعَهُ لِيَشْرَبَ النَّاسُ بِشُرْبِهِ.
فَلَمَّا سَمِعَ "الْمُهَاجِرُ" مَقَالَتَهُ جَرَعَ جُرْعَةٌ مِنَ الْمَاءِ وَقَالَ:
وَاللَّهِ مَا شَرِبْتُهَا مِنْ عَطَشِ وَلَكِنَّنِي أَبْرَرْتُ عَزْمَةَ أَمِيرِي (¬٥) …
ثُمَّ امْتَشَقَ حُسَامَهُ وَطَفِقَ يَشُقُ بِهِ الصُّفُوفَ، وَيُجَنْدِلُ (¬٦) الرِّجَالَ غَيْرَ وَجِلٍ وَلَا هَيَّابٍ … فَلَمَّا أَوْغَلَ فِي جَيْشِ الْأَعْدَاءِ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَتَعَاوَرَتْهُ (¬٧) سُيُوفُهُمْ مِنْ أَمَامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ حَتَّى خَرَّ صَرِيعًا …
ثُمَّ إِنَّهُمُ احْتَزُوا رَأْسَهُ وَنَصَبُوهُ عَلَى شُرْفَةٍ مُطِلَّةٍ عَلَى سَاحَةِ الْقِتَالِ.
فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّبِيعُ، وَقَالَ: طُوبَى (¬٨) لَكَ، وَحُسْنُ مَآبٍ …
وَاللَّهِ لَأَنْتَقِمَنَّ لَكَ وَلِقَتْلَى الْمُسْلِمِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَلَمَّا رَأَى أَبُو مُوسَى مَا نَزَلَ بِالرَّبِيعِ مِنَ الْجَزَعِ عَلَى أَخِيهِ، وَأَدْرَكَ مَا ثَارَ