فَقَالَ: رَضِيتُ، وَاسْتَخْرَجَ مَا فِي كُنُوزِهِ مِنَ الْأَصْفَرِ وَالْأَيْبَضِ وَطَفِقَ يَصُبُّهَا عَلَى الرُّمْحِ حَتَّى غَطَّاهُ …
* * *
تَوَغَلَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ بِجَيْشِهِ الْمُنْتَصِرِ فِي أَرْضِ "سِجِسْتَانَ"، فَطَفِقَتْ تَتَسَاقَطُ الْحُصُونُ تَحْتَ سَنَابِكِ (¬١) خَيْلِهِ كَمَا تَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُ الشَّجَرِ تَحْتَ عَصْفِ رِيَاحِ الْخَرِيفِ.
وَهَبَّ أَهْلُ الْمُدُنِ وَالْقُرَى يَسْتَقْبِلُونَهُ مُسْتَأْمِنِينَ (¬٢) خَاضِعِينَ قَبْلَ أَنْ يُشْهِرَ فِي وُجُوهِهِمُ السَّيْفَ؛ حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ "زَرَنْجَ" عَاصِمَةً "سِجِسْتَانَ".
فَإِذَا بِالْعَدُوِّ قَدْ أَعَدَّ لِحَرْبِهِ الْعُدَّةَ، وَكَتَبَ لِلقَائِهِ الْكَتَائِبَ (¬٣)، وَاسْتَقْدَمَ لِمُوَاجَهَتِهِ النَّجَدَاتِ، وَعَقَدَ الْعَزْمَ عَلَى أَنْ يَذُودَهُ (¬٤) عَن الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ، وَأَنْ يُوقِفَ زَحْفَهُ عَلَى "سِجِسْتَانَ" مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ غَالِيًا.
ثُمَّ دَارَتْ بَيْنَ الرَّبِيعِ وَأَعْدَائِهِ رَحَى حَرْبٍ طَحُونٍ (¬٥) لَمْ يَضِنَّ عَلَيْهَا أَيٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِمَا تَطَلَّبَتْهُ مِنَ الضَّحَايَا.
فَلَمَّا بَدَرَتْ أَوَّلُ بَادِرَةٍ مِنْ بَوَادِرِ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ رَأَى "مَرْزَبَانُ" (¬٦) الْقَوْمِ الْمَدْعُوُّ"بَرْوِيزَ" أَنْ يَسْعَى لِمُصَالَحَةِ الرَّبيع، وَهُوَ مَا تَزَالُ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ قُوَّةٍ، لَعَلَّةَ يَحْظَى لِنَفْسِهِ وَلِقَوْمِهِ بِشُرُوطٍ أَفْضَلَ …
فَبَعَثَ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ رَسُولًا مِنْ عِنْدِهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ مَوْعِدًا لِلقائِهِ؛ لِيُفَاوِضَهُ عَلَى الصُّلْحِ فَأَجَابَهُ إِلَى طَلَبِهِ.
* * *