وَكَانَ كُلَّمَا قَرَأَ هَذِهِ الْأَحْبَارَ أَوْ مَرَّتْ بِخَاطِرِهِ يَتَمَّنَى عَلَى اللَّهِ أَنْ يَفْسَحَ لَهُ فِي عُمُرِهِ حَتَّى يَشْهَدَ ظُهُورَ هَذَا النَّبِيِّ الْمُرْتَقَبِ، وَيَسْعَدَ بِلِقَائِهِ، وَيَكُونَ أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ.
* * *
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ دُعَاءَ الْحُصَيْنِ بْنِ سَلَامٍ فَنَسَأَ لَهُ (¬١) فِي أَجَلِهِ حَتَّى بُعِثَ نَبِيُّ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ …
وَكُتِبَ لَهُ أَنْ يَحْظَى بِلِقَائِهِ وَصُحْبَتِهِ، وَأَنْ يُؤْمِنَ بِالْحَقِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ..
فَلْنَتْرُكُ لِلْحُصَيْنِ الْكَلَامَ لِيَسُوقَ لَنَا قِصَّةَ إِسْلَامِهِ فَهُوَ لَهَا أَرْوَى (¬٢)، وَعَلَى حُسْنِ عَرْضِهَا أَقْدَرُ … قَالَ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ:
لَمَّا سَمِعْتُ بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَذْتُ أَتَحَرَّى عَنِ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَصِفَاتِهِ وَزَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، وَأَطَابِقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا هُوَ مَسْطُورٌ (¬٣) عِنْدَنَا فِي الْكُتُبِ حَتَّى اسْتَيْقَنْتُ مِنْ نُبُوَّتِهِ، وَتَثَبَّتُ مِنْ صِدْقِ دَعْوَتِهِ، ثُمَّ كَتَمْتُ ذَلِكَ عن الْيَهُودِ، وَعَقَلْتُ (¬٤) لِسَانِي عَنِ التَّكَلُّمِ فِيهِ …
إِلَى أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ الرَّسُولُ ﵊ مِنْ مَكَّةَ قَاصِدًا الْمَدِينَةَ.
فَلَمَّا بَلَغَ "يَثْرِبَ"، وَنَزَلَ "بِقُبَاءَ" (¬٥) أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْنَا وَجَعَلَ يُنَادِي فِي النَّاسِ مُعْلِنَا قُدُومَهُ … وَكُنْتُ سَاعَتَئِذٍ فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعْمَلُ فِيهَا، وَكَانَتْ عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ جَالِسَةً تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَمَا إِنْ سَمِعْتُ الْخَبَرَ حَتَّى هَتَفْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ … اللَّهُ أَكْبَرُ.