أَمَّا الْحَارِثُ وَمَالِكٌ فَعَادَا إِلَى مَرَاتِعِ الطُّفُولَةِ، وَمَرَابِعِ الصِّبَا فِي "الْيَمَنِ" السَّعيد.
وَأَمَّا يَاسِرٌ فَجَذَبَتْهُ مَكَّةُ إِلَيْهَا، وَأَغْرَتْهُ بِأَنْ يَتَّخِذَ لِنَفْسِهِ مِنْهَا مَقَامًا وَوَطَنًا.
* * *
لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ يَاسِرُ بْنُ عَامِرٍ الْكِنَانِيُّ حِينَ اتَّخَذَ قَرَارَهُ هَذَا أَيُّ مَجْدٍ كُتِبَ له …
وَلَمْ يَكُن يَدْرِي أَنَّهُ دَخَلَ التَّارِيخَ مِنْ أَوْسَعِ أَبْوَابِهِ …
وَأَنَّهُ سَيَأْتِي مِنْ صُلْبِهِ فَتًى يَزْدَانُ بِهِ مَفْرِقُ الدُّنْيَا كُلَّمَا أَحَبَّتْ أَنْ تَتَزَيَّنَ للنَّاسِ.
غَيْرَ أَنَّ يَاسِرًا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِي مَكَّةَ عَصَبِيَّةٌ (¬١) تَحْمِيهِ …
ولا أُسْرَةٌ تَمْنَعُهُ (¬٢) …
فَكَانَ لَا بُدَّ لِغَرِيبٍ مِثْلِهِ مِنْ أَنْ يُحَالِفَ سَيْدًا مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْحَيَاةِ آمِنًا مُطْمَئِنًا فِي ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ الَّذِي لَا مَكَانَ فِيهِ لِلضُّعَفَاءِ …
فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ حَالَفَ "أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ".
* * *
رَأَى أَبُو حُذَيْفَةَ فِي يَاسِرٍ مِنْ كَرِيمِ الشَّمَائِلِ، وَنَبِيلِ الْخَصَائِلِ، مَا حَبَّبَهُ إِلَيْهِ؛ فَزَوَّجَهُ مِنْ أَمَةٍ لَهُ تُدْعَى "سُمَيَّةَ بِنْتَ خِبَاطٍ".
فَكَانَ أَوَّلَ ثَمَرَاتِ هَذَا الزَّوَاجِ غُلَامٌ فَرِحَ بِهِ الْأَبَوَانِ أَعْظَمَ الْفَرَحِ …