فَنَظَرَ إِلَيْنَا فِي حُنُوٍّ - وَكَأَنَّمَا حَرَّكَتْ كَلِمَتُنَا أَشْجَانَهُ (¬١) - وَقَالَ:
وَأَنَا تُحَدِّثُنِي نَفْسِي بِأَنْ أَمْضِيَ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَسَأَصْحَبُكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَعَانَ.
* * *
ثُمَّ نَادَى؛ فَخَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْأَخْبِيَةِ شَبَابٌ كَثِيرٌ كَأَنَّهُمُ النُّجُومُ الزُّهْرُ؛ فَجَمَعَهُمْ، وَخَطَبَهُمْ، وَأَوْصَاهُمْ ثُمَّ قَالَ:
إِنَّكُمْ يَا بَنِيَّ لَمْ تَرَوْا مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا أَطْرَافَهُ …
وَلَمْ تَرَوْا مِنَ الشَّرِّ إِلَّا أَطْرَافَهُ أَيْضًا …
وَلَا يَفُتْكُمْ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ (¬٢) فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ …
وَأَنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ (¬٣) حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ …
وَأَنَّ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ …
وَأَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بَنُونَ …
فَكُونُوا أَبْنَاءَ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا أَبْنَاءَ الدُّنْيَا.
ثُمَّ أَعْلَنَ لَهُمْ عَزْمَهُ عَلَى الرَّحِيلِ مَعَنَا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ فَجَعَلُوا يَنْتَحِبُونَ (¬٤) بُكَاءً عَلَى فِرَاقِهِ، وَيَسْأَلُونَهُ الرِّضَى عَنْهُمْ وَالدُّعَاءَ لَهُمْ.
قَالَ فَتَى مُجَاشِعٍ:
فَقُلْتُ لِلْوَاقِفِينَ حَوْلِي: مَنْ هَذَا الَّذِي تَفِيضُ الْحِكْمَةُ مِنْ جَوَانِبِهِ؟!.