فَمَا إِنْ رَأَى الْعَسْكَرَانِ: عَسْكَرُ الْفُرْسِ وَعَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ؛ سَنَابِكَ الْخَيْلِ تُثِيرُ الْعَجَاجَ (¬١) …
وَسَمِعَا أَصْوَاتَ التَّكْبِيرَةِ تَهُزُّ الْأَرْجَاءَ هَزًّا …
وَنَظَرَا إِلَى النَّجْدَاتِ تَتَوَالَى كَتِيبَةً إِثْرِ كَتِيبَةٍ؛ حَتَّى دَبَّ الذُّعْرُ فِي نُفُوسِ الْفُرْسِ، وَثَارَتِ الْحَمِيَّةُ فِي صُدُورِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَجَعَلُوا يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ بِأَصْوَاتٍ صَدَعَتْ (¬٢) أَفْئِدَةَ عَدُوِّهِمْ صَدْعًا.
وَمَضَى الْقَعْقَاعُ إِلَى السَّاحَةِ مَعَ أَوَّلِ خَيْطٍ مِنْ خُيُوطِ الصَّبَاحِ بَيْنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ.
وَبَرَزَ إِلَى الْأَعْدَاءِ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ الْمَعْرَكَةُ …
وَجَعَلَ يَخْطِرُ (¬٣) عَلَى جَوَادِهِ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيَقُولُ:
هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟ … هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟.
فَتَوَجَّهَتِ الْعُيُونُ إِلَى مُعَسْكَرِ الْفُرْسِ لِتَرَى مَنْ سَيَبْرُزُ لِلْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو.
* * *
لَمْ تَمْضِ غَيْرُ لَحَظَاتٍ قَلِيلَاتٍ عَلَى حَمَاسَةِ (¬٤) الْقَعْقَاعِ وَجَرَاءَته؛ حَتَّى خَرَجَ مِنْ صُفُوفِ الْأَعْدَاءِ فَارِسٌ مُدَجَّجٌ بِالسِّلَاحِ وَقَالَ:
أَنَا لَكَ … أَتَدْرِي مَنْ أَنَا؟ …
أَنَا "بَهْمَنُ" ذُو الْحَاجِبِ قَائِدُ جُيُوشِ فَارِسَ يَوْمَ الْجِسْرِ (¬٥) …