وَاللهِ! لَا أُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ اسْتِجَابَةً لِدَاعِي الْجِهَادِ.
ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدِ بْنَ مَسْعُودٍ التَّقَفِيَّ، وَعَقَدَ لَهُ الرَّايَةَ عَلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَوَجِّهِ لِحَرْبِ الْفُرْسِ.
* * *
مَضَى أَبُو عُبَيْدٍ بِجَيْشِهِ الْبَالِغِ خَمْسَةَ آلَافِ مُجَاهِدٍ وَمَعَهُ أَخُوهُ، وَأَوْلَادُهُ الثَّلَاثَةُ، وَزَوْجَتُهُ.
وَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَضَّهُمْ (¬١) عَلَى الْجِهَادِ، وَرَغَّبَهُمْ في الاسْتِشْهَادِ …
فَمَا زَالَ الْجَيْشُ يَنْمُو وَيَكْبُرُ؛ حَتَّى بَلَغَ عَشْرَةَ آلَافٍ مُجَاهِدٍ.
* * *
وَصَلَتْ أَنْبَاءُ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الْقَادِمِ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَى مَسَامِعِ الْفُرْسِ؛ فَحَشَدُوا جُنُودَهُمْ، وَعَبَّؤُوا (¬٢) قُوَاهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ ضَرْبَةً قَاضِيَةً (¬٣) لَا تَقُومُ لَهُمْ بَعْدَهَا قَائِمَةٌ، وَجَعَلُوا عَلَى قِيَادَةِ جَيْشِهِمْ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يُدْعَى "جَابَانَ"، وَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِ (¬٤) فَارِسًا مِنْ مَشَاهِيرٍ فُرْسَانِهِمْ يُقَالَ لَهُ "مَرْدَانُ".
* * *
الْتَقَى الْجَمْعَانِ فِي النَّمَارِقِ (¬٥)، وَدَارَتْ بَيْنَهُمَا رَحَى مَعْرَكَةٍ طَحُونٍ (¬٦) أَبْدَى فِيهَا جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ ضُرُوبِ الْبَسَالَةِ وَالْبَذْلِ؛ مَا زَلْزَلَ (¬٧) أَقْدَامَ الْفُرْسِ، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْهَزِيمَةَ الْمُنْكَرَةَ، وَمَزَّقَهُمْ شَرَّ مُمَزَّقٍ …