وَقَدْ بَالَغَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي إِكْرَامِهِ بَعْدَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ؛ فَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنَ الْفِضَّةِ؛ وَزَنَهَا لَهُ بِلَالٌ الْحَبَشِيُّ (¬١) وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ.
* * *
وَلَمَّا آلَتِ (¬٢) الْخِلَافَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ ﵁؛ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الْفَارِسُ الْأُمَوِيُّ مِنْ قُوَّةِ الشَّكِيمَةِ (¬٣)، وَصِدْقِ الْعَزِيمَةِ، وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ، وَعُمْقِ الْإِيمَانِ؛ فَقَرَّرَ أَنْ يَضَعَ هَذِهِ الطَّاقَاتِ الْفَذَّةَ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ …
لَكِنَّ الصِّدِّيقَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ كَانَ يَخْشَى عَلَى الْفَتَى الْقُرَشِيِّ مِنْ نَزَوَاتِ الرِّئَاسَةِ، وَيَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ غُرُورِ (¬٤) الْقِيَادَةِ؛ فَاسْتَدْعَاهُ وَقَالَ لَهُ:
يَا يَزِيدُ … إِنَّكَ شَابٌّ تُذْكَرُ بِخَيْرٍ ظَهَرَ فِي فِعَالِكَ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَبْلُوَكَ (¬٥)؛ فَأَنْظُرْ كَيْفَ أَنْتَ؟ وَكَيْفَ وَلَايَتُكَ؟ …
فَإِنْ أَحْسَنْتَ زِدْتُكَ، وَإِنْ أَسَأْتَ عَزَلْتُكَ …
وَعَلَيْكَ يَا يَزِيدُ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يَرَى مِنْ بَاطِنِكَ مِثْلَ الَّذِي يَرَى مِنْ ظَاهِرِكَ …
وَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى جُنْدِكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، وَابْدَأْهُمْ بِالْخَيْرِ، وَعِدْهُمْ إِيَّاهُ …
وَإِذَا وَعَظْتَهُمْ فَأَوْجِزْ؛ فَإِنَّ كَثِيرَ الْكَلَامِ يُنْسِي بَعْضُهُ بَعْضًا …