فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَقَدْ عَزَفَتْ (¬١) نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا …
فَأَسْهَرْتُ لَيْلِي بِالْقِيَامِ …
وَأَطْمَأْتُ نَهَارِي بِالصِّيَامِ …
وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَلَظَّوْنَ بِنَارِهَا، وَيَتَعَاوَوْنَ (¬٢) فِي جَحِيمِهَا …
ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لي بِالشَّهَادَةِ؛ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ بِهَا.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ اللِّقَاءِ بَيْنَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ فَتَى الْفِتْيَانِ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى وَقَعَتْ بَدْرٌ …
وَنُودِيَ بِالْخَيْلِ (¬٣) …
فَكَانَ حَارِثَةُ أَوَّلَ فَارِسٍ رَكِبَ …
وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ اسْتُشْهِدَ …
فَجَزِعَتْ (¬٤) عَلَيْهِ أُمُّهُ الشَّيْخَةُ الثَّكْلَى (¬٥) أَشَدَّ الْجَزَعِ …
وَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﵊، وَقَالَتْ:
إِنْ يَكُنْ حَارِثَةُ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ لِفَقْدِهِ، وَلَمْ أَحْزَنْ لِثُكْلِهِ …
وَإِنْ يَكُنْ فِي النَّارِ؛ بَكَيْتُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَتْ لِي عُيُونٌ تَذْرِفُ (¬٦)، وَفُؤَادٌ يَتَحَرَّقُ.