عَلَى جَنْبِهِ، وَتَقَلَّدَ قِلَادَتَهُ الَّتِي يَتَدَلَّى مِنْهَا صَلِيبُهُ الْفِضِّيُّ، ثُمَّ اعْتَمَرَ (¬١) قَلَنْسُوَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَمَضَى مُيَمِّمًا وَجْهَهُ شَطْرَ (¬٢) الْقَرْيَةِ …
فَلَمَّا جَنَّ (¬٣) عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ لَمْ يَنْسَهُ طُولَ حَيَاتِهِ؛ فَلْنَتْرُكْ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ الْكَلَامَ لِيَقُصَّ عَلَيْنَا خَبَرَهُ الْمُثِيرَ.
* * *
قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ:
كُنْتُ أُقِيمُ بِالشَّامِ حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﵊؛ فَخَرَجْتُ إِلَى الْأَمَاكِنِ الْمُجَاوِرَةِ لِقَضَاءِ بَعْضِ حَاجَاتِي؛ فَأَدْرَكَنِي اللَّيْلُ عِنْدَ وَادٍ سَحِيقٍ مُظْلِمٍ …
فَأَخَذَتْنِي الرَّهْبَةُ، وَدَبَّ فِي نَفْسِيَ الْخَوْفُ …
فَتَذَكَّرْتُ مَا كَانَتْ تَقُولُهُ الْعَرَبُ مِنَ الاسْتِعَادَةِ بِالْجِنِّ في أَمْثَالَ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ؛ فَهَتَفْتُ:
أَنَا فِي جِوَارِ (¬٤) عَظِيمِ هَذَا الْوَادِي اللَّيْلَةَ.
ثُمَّ أَخَذْتُ مَضْجَعِي لِأَرْقُدَ؛ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي - وَأَنَا لَا أَرَاهُ - وَيَقُولُ:
عُذْ بِاللهِ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَاسْتَجِرْ بِهِ، فَإِنَّ الْجِنَّ لَا تُجِيرُ أَحَدًا عَلَى اللهِ.
فَقُلْتُ لِلْهَاتِفِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللهِ؛ أَتَقُولُ الْحَقَّ؟!.
فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ؛ فَأَسْلَمْنَا، وَاتَّبَعْنَاهُ، وَذَهَبَ كَيْدُ الْجِنِّ،