فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ أَعْلَنَ تَبنِّيهِ لَهُ، وَقَالَ:
اشْهَدُوا - يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَنَّ هَذَا ابْنِي أَرِثُهُ وَيَرِثُنِي …
فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ اسْمَ: الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ أَبْطَلَ التَّبَنِّي فِيمَا بَعْدُ؛ فَقَدْ ظَلَّ أَكْثَرُ النَّاسِ يُنَادُونَهُ كَذَلِكَ …
لِكَثْرَةِ مَا تَرَدَّدَ هَذَا الاِسْمُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَفَرْطِ مَا تَدَاوَلُوهُ بَيْنَهُمْ.
* * *
لَمْ يَكُنِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو - أَوِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ كَمَا كَانُوا يُنَادُونَهُ - مُرْتَاحًا إِلَى ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ الَّذِي تُرَاقُ فِيهِ الدِّمَاءُ ظُلْمًا وَبَغْيًا، وَتُسْتَبَاحُ فيهِ الْحُرُمَاتُ عُدْوَانًا وَجَوْرًا …
وَيَسْتَذِلُّ فِيهِ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَتَسُودُهُ الْعَصَبِيَاتُ الْعَمْيَاءُ.
فَهْوَ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ قَدْ تَبَنَّاهُ - مَا يَزَالُ فِي نَظَرِ الْقَوْمِ شَرِيدًا طَرِيدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصْهِرَ (¬١) لِأَيٍّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ فِي عُرْفِهِمْ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِأَيِّ بِنْتٍ مِنْ بَنَاتِهِمْ مَهْمَا دَنَتْ مَنْزِلَتُهَا.
وَكَانَ الْمِقْدَادُ يَسْمَعُ مَا يَدُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْكُهَّانِ (¬٢) وَمَا يَرْوِيهِ أَحْبَارُ (¬٣) يَهُودَ: مِنْ أَنَّ نَبِيًّا قَدْ أَطَلَّ (¬٤) زَمَانُهُ سَيَمْلَأُ الدُّنْيَا بِرًّا وَخَيْرًا وَعَدْلًا؛ فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ:
عَسَى وَلَعَلَ.
* * *