حَضْرَمَوْتَ هُوَ أَبُو شَمْرِ بْنِ حَجَرٍ …
فَنَدَّتْ (¬١) مِنَ الشَّيْخِ الْحَضْرَمِيِّ كَلِمَةٌ قَاسِيَةٌ جَرَحَتْ كِبْرِيَاءَ الْفَتَى وَأَثَارَتْ حَفِيظَتَهُ (¬٢)؛ فَامْتَشَقَ حُسَامَهُ وَأَهْوَى بِهِ عَلَى الشَّيْخِ الْحَضْرَمِيِّ … فَبَتَرَ سَاقَهُ.
عِنْدَ ذَلِكَ؛ وَجَدَ الْمِقْدَادُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلُوَ عَنْ حَضْرَمَوْتَ كَمَا جَلَى أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ عَنْ دِيَارِ قَبِيلَتِهِ "بُهْرَاء"؛ فَوَلَّى وَجْهَهُ شَطْرَ مَكَّةَ.
* * *
أَدْرَكَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو مُنْذُ وَطِئَتْ أَقْدَامُهُ مَكَّةَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يَعِيشَ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ الْقُرَشِيِّ آمِنًا مُطْمَئِنًّا … إِلَّا إِذَا كَانَتْ لَهُ قَبِيلَةٌ تَحْمِيهِ، أَوْ عَصَبِيَّةٌ تَمْنَعُهُ (¬٣) …
أَمَّا الْغُرَبَاءُ أَمْثَالُهُ؛ فَمَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يَخْتَارُوا بَيْنَ اثْنَتَيْنِ:
فَإِمَّا أَنْ يُحَالِفُوا سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ؛ فَيَعِيشُوا فِي كَنَفِهِ، وَيَأْمَنُوا فِي حِمَاهُ …
وَإِمَّا أَنْ يُعَرِّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلذِّلَّةِ وَالْمَهَانَةِ …
فَحَالَفَ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ.
* * *
لَكِنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ مَا لَبِثَ أَنْ رَأَى فِي الْفَتَى الْحَضْرَمِيِّ مِنْ سِمَاتِ الرُّجُولَةِ، وَشَمَائِلِ الْمُرُوءَةِ، وَخَصَائِلِ الشَّجَاعَةِ وَالنَّجْدَةِ؛ مَا مَلَأَ قَلْبَهُ حُبًّا لَهُ … فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، وَمَضَى بِهِ إِلَى مَجَالِسِ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ …