والوجود والصفات، وغالطوا في غيرية المظاهر المدركة بالحس والعقل بأن ذلك من المدارك البشرية، وهي أوهام، ولا يريدون الوهم الذي هو قسيم العلم والظن والشك، وإنما يريدون أنها كلها عدم في الحقيقة، وجود في المدرك البشري فقط، ولا وجود بالحقيقة إلا للقديم لا في الظاهر ولا في الباطن، والتعويل في تعقل ذلك على النظر والاستدلال - كما في المدارك البشرية - غير مفيد، لأن ذلك إنما ينقل من المدارك الملكية، وإنما هي حاصلة للأنبياء بالفطرة، ومن بعدهم للأولياء بهدايتهم، وقصد من يقصد الحصول عليها بالطريقة العلمية ضلال» (¬١).
من هذا كله يتبين لنا أن هؤلاء المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود قد تأثروا تأثرا كبيرا بالفلسفة اليونانية وبالمسيحية، كما تأثروا كذلك بمذهب الإسماعيلية الباطنية في قولهم بالقطب والأبدال ونحو ذلك، وفي هذا يقول ابن خلدون: «ثم إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك، فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه، وملأوا الصحف منه، مثل الهروي في كتاب (المقامات) له، وغيره، وتبعهم ابن العربى (¬٢) وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف، وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم، وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلاهية الأئمة مذهبا لم يعرف لأولهم، فأشربت كل واحد من الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم، وتشابهت عقائدهم، وظهر في كلام المتصوفة القول بالقطب، ومعناه رأس العارفين، يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله، ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان، وهو بعينه ما تقوله