كلمه لهوادي الكلام، فرائد، ولصوادي الأفهام موارد لهنة من جني، وأنبوبة من قنا، ببيان يفضح النجوم الزواهر في إشراقها، ويلف الغيوم المواطر في أوراقها، طالما رمى إلى المعالي طرفًا طامحًا، وأجرى طِرفًا جامحًا، وكان مذ كان مغرى بتتبع ما أشكل لكشف غوامضه، وكف ما غطى الحق من عوارضه، بهمة علية لو سقطت السحائب لهم بجمعها، أو الكواكب، لما رضي لكلمه بلمعها، أو الكتائب لَوَلَّوا أمام كتبه، وأعينهم تفيض بدمعها، عادت على حفظة كتبه حسن نيته، وصدق سريرته وعلانيته، فلم ير منهم إلا من أثرى بالآمال، أو ولي بالأعمال، أو تصدر وجاءت منقادة إليه الآمال.
سكن بغداد وتفقه على جماعة من الأعيان، وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيرًا وانتفع به، وناب عنه في مجلسه، ورتبه معيدًا في حلقته، ولما بنى نظام الملك مدرسته ببغداد سأله أن يتولاها فأبى، فولاها أبا نصر بن الصباغ مدة يسيرة، ثم أجاب إلى ذلك فتولاها، ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأحد حادي عشرين جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وأربعمائة ببغداد ودفن من غده.
وكان في غاية من الورع والتشدد في الدين.
قال ابن النجار (¬١): انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد، وأكثر علماء الأمصار من تلامذته.
وحكى الملك المؤيد صاحب حماة: أنه كان مستجاب الدعوة، متطرح التكلف. قال: ولما توجه إلى خراسان برسالة المقتدي إلى السلطان ملكشاه ونظام الملك الوزير، قال: ما دخلت بلدًا إلا وجدت خطيبها وقاضيها تلاميذي.
ولما مات جلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية، فلما انقضى العزاء رتب