بعلمه حلل الربيع، وظهر بفهمه خفي البديع، وكان من إمامه الشافعي قريبًا، ومن غمامه لا يرد إلا قليبًا، علا به كعبه نهاية الدرج، وغاية ما يبلغه الأرج، طالما رتعت سوائم الإفهام في وهاد ربيعه، فخرجت جلابيب الإعلام في ربوعه، وأخضر نبات ربيعه المعشب، واخضل بناء صنيعه المعجب، وتقضت فصول السنة، وزهر ربيعه ينفح، ونجوم نرجسه عليها نهر المجرة يطفح، ومضى ونسيمه الربيع ما صح اعتلاله، وليله ونهاره ما طال، ولا قصر اعتداله، ومطره الربعي ما زاد على أن لثم ثغور أقاحه، وزاد في التصنيف حلب لقاحه، وفضضت بكر أيامه وسماؤه قد صفحت بالحديد، وطرر لياليه قد سرحت لتجلي الزمان في ثوب ربيعه الجديد.
قال الشافعي في حقه: الربيع راويتي.
وقال الشافعي أيضًا: ما خدمني أحد ما خدمني الربيع.
وكان يقول له: لو أمكنني أن أطعمك العلم، لأطعمتك.
وقال الربيع: دخلت على الشافعي عند وفاته، وعنده البويطي والمزني، وابن عبد الحكم، فنظر إلينا ثم قال: أما أنت يا أبا يعقوب، يعني البويطي، فتموت في حديدك، وأما أنت يا مزني، فستكون لك في مصر هنات، ولتدركن زمانًا تكون فيه أقيس أهل زمانك، وأما أنت يا أبا محمد يعني ابن عبد الحكم - فسترجع إلى ما ذهب مالك، وأما أنت يا ربيع، فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة. قال الربيع: فلما مات الشافعي صار كل واحد منهم إلى ما قال، حتى كأنه نظر إلى الغيب من ستر رقيق.