المجرورة للزهو والدأب، لفضائل تروي كلّ صادية، وتردّ كلّ صافية بكل بديعة، جلست مع الملاح في مقاصيرها، وهبّت مع الرياح أعاصيرها، فَضَّت عن المدام ختامًا، وقوّضت عن الغمام خيامًا، فهطلت سكابًا، وطلعت مع كل ناسية سحابًا.
قال ابن خلكان: كان علامة وقته في الأدب، وأكثر الناس حفظًا لها، وكان صدوقًا ثقة، دينًا خيّرًا، من أهل السنّة، وصنف كتبًا كثيرة.
وذكره الخطيب في تاريخ بغداد، فأثنى عليه وقال: بلغني أنّه كتب عنه وأبوه حيّ، وكان على ناحية من المسجد، وأبوه في ناحية أخرى، وكان أبوه عالمًا في الأدب موثقًا في الرواية. أمينًا سكن بغداد.
قال القالي: كان أبو بكر الأنباريّ يحفظ فيما ذكر ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن الكريم، وقيل له: قد أكثر الناس في محفوظاتك، فقال: احفظ ثلاثة عشر صندوقًا، وقيل: إنّه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرًا للقرآن بأسانيدها.
وحكى الدارقطنيّ: أنّه حضر مجلس املائه يوم الجمعة، فصحّف اسمًا أورده [في إسناد] حديث. قال الدارقطنيّ: فأعظمت أن يُحمل عن مثله، وهممت أن أوقفه على ذلك، فلمّا انقضى الإملاء، تقدّمت إلى المستملي، فذكرت له وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرف. ثم حضرت الجمعة الثانية في مجلسه. فقال أبو بكر: عرف الجماعة الحاضرين أننا صحّفنا الاسم الفلانيّ لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل، فوجدناه كما قال.
ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين، وتوفي ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين، وقيل: سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وتوفي أبوه سنة