بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئًا، ولا يريم فينصرف إلى أمه، ولم يكسب شيئًا فتضربه، وهو مع ذلك يرنّم بألحان معبد ويؤديها دورًا دورًا، نغمًا بغير لفظ ولا روى شيئًا من الشعر، وجعل كلما غدا وراح رآه ملازمًا لبابه، فقال لغلامه: أدخل هذا الغلام الأعرابي إليّ، فأدخله إليه، فقال له حمزة: من أنت يا غلام؟، قال: أنا غلام من طيئ، أصابتنا حطمة بالجبلين، فحطتنا إليكم، ومعي أم لي وأخوة، وإني لزمت بابك، فسمعت من دارك صوتًا أعجبني، فلزمت بابك من أجله، فقال: هل أنت تعرف منه شيئًا؟، قال: أعرف لحنه كله، ولا أعرف الشعر قال: إن كنت صادقًا، إنك لتفهم ودعا بمعبد، فأمره أن يغني صوتًا فغنّاه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟ قال: نعم، قال: هاته، فاندفع فغنّاه، وأدّى نغمته بغير شعر، يؤدى مداته، ولياته، وعطفاته، ونبراته، وتعليقاته، لا يخرم حرفًا، فقال لمعبد: خذ هذا الغلام، وخرجه فليكونن له شأن.
قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك، وإلا عدل إلى غيرك، وكانت محاسنه منسوبة إليه، فقال صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرني به.
ثم قال حمزة لمالك: كيف وجدت ملازمتك لبابنا؟، قال: والله، ثم والله، ما شبعت على بابك شبعة قط، ولا انقلبت إلى أهلي منه بخير، فأمر له ولإخوته وأمه بمنزل، وأجرى لهم رزقًا وكسوة، وأمر لهم بخادم يخدمهم، وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكًا معه في مجلسه، وأمر معبدًا أن يطارحه. فلم يلبث أن مهر وحذق، وكان ذلك بعقب مقتل هدبة بن خشرم (¬١)، فخرج مالك يومًا، فسمع امرأة تنوح على زياد