الجوانح. كانت لبني هاشم سرّة البطحاء، ومسرة أهل الروحاء. نشأت في تلك البيوت يمتع بحلولها، ويحدّ لحاظها في غلولها. إذا غنت، تجدد صبوة الهرم، وتشبّ صفحة الماء فيضطرم، لا تحلو بادي سراة لها من ذكر لا ينصرف سراه، ولا يتفرق مجمع أولها فضل عليه مجمع ودامت.
قال أبو الفرج: كلم علي بن هشام متيما بشيء، فأجابته جوابًا لم يرضه، فدفع في صدرها، فغضبت، ونهضت، وتثاقلت عن الخروج إليه، فكتب إليها (¬١): [من الطويل]
فليتَ يَدي بانتْ غَدَاةَ مددتُها … إليكِ فلمْ تَرْجِعْ بكف وساعِدِ
فإن يُرجع الرحمان ما كان بيننا … فلستُ إلى يوم التنادي بعائد
قال: فتمادى غضبها، وترضاها، فلم ترض، فكتب إليها: إلا دلال يدعو إلى الآمال، ورب هجر دعا إلى صبر، وإنما سمي القلب قلبًا لتقلبه، ولقد صدق العباس بن الأحنف (¬٢) حيث يقول (¬٣): [من الخفيف]
ما أراني إلا سأهجرُ مَنْ ليـ … سَ يَرَاني أقوى على الهِجْرَانِ
ملني واثقًا يُحسن وفائي … ما أضر الوفاء بالإنسان
قال: مرّت متيّم في نسوة، وهي متخفية، بقصر علي بن هشام بعد أن قتل؛ فلما رأت بابه مغلقًا لا أنيس به، وقد علاه التراب، وقد طرحت في أفنيته المزابل، وقفت