ومنهم:
[٣٥] سعيد بن حميد (¬١)
وكان المستعين استوزره لما قدم بغداد، وله بلاغة مشهورة، وكتب متداولة، وأشعار كثيرة متناقلة، فمنها قوله في جارية كان يحبها، وتتجافى عليه، فيكثر منه عتبها: [من الطويل]
فِدَاكِ أَبي مالي أراكِ بَخِيلةً … مُقيمًا على علاتِهَا مُستزيدها
فإِنَّكِ كالدُّنيا تُذمُّ صُرُوفُها … ونُوسِعُها عَيْنَا ونحنُ عَبِيدُها
ومنه قوله: [من الكامل]
خَلَتِ المنازِلُ مِنْ أحِبَّتِنا … وَنَأتْ بِهِمْ عَنَّا يَدُ الدَّهْرِ
وأَشَدُّ ما لا قَيْتُ بَعْدَهُمُ … أَنِّي فُجِعْتُ بهم وبالصَّبْرِ
- قلت: وحضره جماعة من أهل الفضل والأدب عند انبلاج الصباح، والأفق قد حالت حالته، وحفَّت بالبدر هالته، والشعاع كأنه حسام مصلت يحاول دوسه، والبدر كأنه غلام من الترك على وجهة فرسه، فقال: صفراء على هذا الحال، فأخذوا في الفكر، فسبقهم، وقال: [من الرجز]
مَحا دُجى الليل أديمُ الفَجرِ … ومَا انْمَحَى منه أديمُ البَدْرِ
كأنه لمَّا رَمَى شُعَاعَةٌ … مُهنَّدٌ يُسَلُّ فَوْقَ نَهْرِ
وانتبه يومًا والديك قد هب من نومه، وهو سكران طافح، والشعرى أيام الجوزاء كرخ جره رامح، وسهيل كأنه كرظمان في نهر الماء، والعيوق سائق ظعن قيد خطاه لا يتسرع، والجوزاء ترقص في مِنْطَقَةٍ مُذْهَبَه و … . في جانب عذير معشبة، فقال: [من المنسرح]
تنبَّه الديك للصبوح وَقَدْ … تأهَّبَ اللَّيْلُ ثُمَّ ما ذَهَبًا
والأفق جوزاؤه تُقابِلُهُ … الشِّعْري كما قام رامِحٌ وَثَبَا