ومن الإباء ما يلحقه بالآباء. خرج على المتوكل فكان المتوكل مظفرًا، وعلى جماعة من أهله مستظهرًا، فأخذهم أشد أخذ، وقيدهم إلا من شَدّ، وقتل بعضهم، وأخلى من منازلهم أرضهم، واجتث ما لهم من نخيل، واستأصل شأفتهم لدائه الدخيل، وأثر فيهم آثارًا بقيت عليهم عارًا، وفي القيامة شنارًا، يصليه نارًا. وحمل محمد بن صالح إلى سرّ من رأى في الحديد مغلل الحد منقل العديد، وحبس بها يرى فيها أحداثًا، وتأسى كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، ويتأسى بأن جده ﵇ طلق الدنيا ثلاثا، ثم يدخل المتوكل بأبيات غناها بحضرته بيان فطرب لها واستحسنها غاية الاستحسان، وسأل عن قائلها فنسبت له. وأنشده الفتح بن خاقان جملتها شافعًا فقبله. وأمر بتسريحه، وأطلقه من تباريحه، وهب له سعد الفتح فأقلع في ريحه، واشترط عليه أن يكون عند الفتح مقيما، وأن لا يرى عن سر من رأى مريما، وما زال بها إلى أن توفي بالجدري سقيما، وأول الأبيات (¬١): [من الكامل]
طرب الفؤاد وعاودت أحزانه … وتشعبتْ شُعَبًا به أشجانه
منها:
والبؤس ماض لا يدوم كما مضى … عصر النعيم وزال عنه أوانه
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى … بَرْقٌ تألّقَ مَوْهِنًا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونَهُ … صَعْبُ الذرى متمنع أركانه
فالنار ما اشتلمت عليه ضلوعه … والماءُ ما سمحت به أجفانه
ومنه قوله: [من الطويل]
وفي خمسة مني حَلَتْ منكَ خمسةٌ … فريقُكَ منها في فمي الطَّيِّبِ الرَّشْفِ