[٥٨٢] الشُّهابُ الأَعزازيُّ، وَهُوَ أَحمدُ بنُ عبدِ الملك بنِ عبدِ المُنعِم بن عبد العزيز شهاب الدين، أبو العباس (¬١)
عُودُ الأَدَبِ وَنَبْعَتُهُ، وَصِيتُ الذَّكاء وسُمعتُهُ، وكان حَسَّانَ قَوْل، وإحسانَ طَوْل، يَسحَرُ بِبَيانِ كَلِم بَوالغ، وَسِنانِ كُلُومٍ في دَمٍ وَالِغ. وَهُوَ جُملَةُ إِحسان، وجِلَّة كلام خُلِقَ للسان، بفكرٍ يُقذِفُ بَحرُهُ العَنْبر، ولا يُحَدِّثُ فِيهِ إِلا عَنْ بَرّ، ولم يَبْرَحْ شهابًا يَتوقَّدُ فَرْقَدا، ويَتَضَرُّمُ مَوقِدا، بِصَدْرٍ رَحِيبٍ، وَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ رَقِيب، إلى أن بَعُدَ منه ما اقترب، وداني شهابه المغيب فَغَرَّب.
أَصله من عزاز، وسكَنَ القاهرة المُعزِّيةَ وتَمطَّر في عنان صباه المطرية والحزية، ولم يَفُتْ مُنذُ كان فتى رافِلًا في بُرْدِها المُمَصَّر، وراقِلًا في بلدها الذي أعجزَ كِسْرَى وقيصر، وكانَ بِقَيْساريَّة (جَهاركس) في قطانِها التجار، وسكانها بالإبحار، والناس تنتابه، وأونَةً إعتابُهُ، وكانَ يَبيعُ البَرِّ، ويعيب الأماعزّ، ومَكَانُهُ نَادِي حَسب، وَبَادِي فَضْلٍ حَاضِرٍ ومُكْتَسَب يَغْشَاهُ أَكابِرُ الفَضَلا، وذوو المآثر من الأجلاء، فأما الأدباء فكان عُكاظَ سُوقِهم، وغاية سَبُوقِهِمْ، وَعَزَّتْ بِهِ عَزاز، وَرَفَلَت القاهرة في ثوب لها منه طراز. جالَسَ بِها الملوك وحَاضَرَها، وجانَسَ بادِيها وحاضرها، فَزَهَتْ بِهِ مَناظِرُها، وَبُهِتَ بأدبهِ مُناظِرُها.