ومنهم:
[٥٨٨] ابن الجبَّاسِ الدُّمياطِيُّ: وَهُوَ أَحمدُ بن منصور بن أسطوراس (¬١)
خَطِيبُ الوِرَادَةِ من مَنَازِلِ الرَّملِ، وكانَ يَتَرَدَّدُ إليَّ، وَيتَجَدَّدُ عَرْضُ ما عِنْدَهُ عليَّ، وكانَ قَليل المادة، جَمِيل الجادَّة، يَظفَرُ بِمُحبَّاتِ المَعَاني، ويُكسيها في أَجَلِّ المعاني، وكان كافًا للسانه، مُظهرًا لإحسانه، مُقبلًا على شانه، فَما أَهمَّهُ لا يعلَقُ [به] مَذَمَّة.
وقصيدته التي وَصَفَ فيها المُوزَ لا تُطاوَلُ ذُيُولُها، ولا تُعَارَضُ سُيُولُها، أَبَدَعَ فيها كُلَّ الإبداع، وأبعد منها الابتداع، ومن المختار منها قوله (¬٢): [من المنسرح]
كأَنَّما المَوْزُ في عَراجِنهِ … وَقَدْ بَدا يَانِعًا على شَجَرِه
فُروعُ شَعْرِ بِرَأْسِ غَانيةٍ … عُقِصْنَ من بَعدِ ضَمٌ مُنتَشَرِه
كَأَنَّ من ضَمَّهُ وَعَقَّصَهُ … أَرسَلَ شُرَّابَةً على أثره
وفي اعتدال الخريف أحسنُ ما … يُرْقِلُ مِثلَ الرَّداحِ في أَزْرِه
كَأَنَّ أَشجارَهُ وقد نُشِرَتْ … ظَلالُ أوراقه على ثَمَرِه
حَامِلَةٌ طِفلها على يدها … تُظلُّلُهُ بالخمارِ من شَعَرِه
كَأَنَّما ساقُهُ الصَّقِيلُ وقد … بَدَتْ عليهِ نُقوش مُعتَبرِه
سَاقُ عَروس أُمِيطَ مِنزِرُها … فبانَ وَشيء الخضاب في حبره
تُصاعُ مِنْ جَدْوَلٍ خَلاخِلُها … فَينجلي والنثارُ من زَهَرِه
حَدَائِقٌ خَفَّقَتْ سَناجِقُها … كَأَنَّهُ الجيش أم في زُمَرِه
زَهَا فَراقَ العُيونَ مَنظُرُهُ … فَما تَمَلُّ العُيونُ من نَظَرِه
وكُل آياته فباهِرَةٌ … تَبِينُ في وِرْدِهِ وفي صَدَرِه
كأَنَّما عُمْرُهُ القَصِيرُ حَكَى … زَمانَ وَصْلِ الحَبيبِ في قِصَرِه
كأَنَّ عُرْجُونَهُ المَشيبُ أَتى … يُخبِرُ أَنْ خانه انقضَى عُمْرِه
كأَنَّهُ البدر في الكمال وقد … أُصِيبَ بِالخَسْفِ فِي سَنَى قَمرِه