وتلقب بالراشد، وأتى الرملة (¬١)، فبايعه بنو الجراح أمراء طيئ، ودُعي أمير المؤمنين، فمازال الحاكم يتحيل على العرب بالرغبة والرهبة حتى انفردوا عنه، فرجع إلى مكة ولم يجد بدًا من إعادة الخطبة للحاكم، فقيل له: أترضى بأن تكون تابعًا بعد أن كنت متبوعًا؟ فقال: ما أُحبّ أحد الحياة في عافية إلا رضى ببعض الدرجة، وامتد عمره إلى سنة ثلاثين وأربعمائة، وإمارته مدتها ست وأربعون سنة، وهو القائل: [من المجتث]
أهوى الكؤوس … فمنها إلى السرور أسير
عجبت منها شموسًا … حفّت بهن بدور
عجبت منها خدودًا … لاحت عليها ثغور
حكي أن الوزير أبا القاسم كانت عنده محاككة (¬٢) ومرافقة، فقال يومًا لأبي الفتوح بمحضر من الأشراف وأمراء العرب: ما رأيت أشعر منك في قولك، وأنشده هذه الأبيات، فخجل أبو الفتوح وعلم أنه أراد إعلامهم أنه يشرب الخمر، فقال لأحد حجابه عليّ بالمصحف، فلما حضر فتحه وقال: وحق ما احتوى عليه، ما شربتها قط، ولا حضرت عليها، وتوحش لأبي القاسم ففر منه.
ولأبي الفتوح شعر كثير منه ما أنشده الباخرزي في الدمية، وهو: [من الخفيف]
وصلتني الهموم وصل هواك … وجفاني الرقاد مثل جفاك
وحكى لي الرسول أنك غضبى … كفى الله شر ما هو حاكي
ثم ولي بعده ابنه شكر (¬٣)، وكان نصلًا [لا] يثلمه الضراب، ورمحًا لا تحطمه الحراب، وجرت له خطوب ملك في أثنائها المدينة، وجمع بين الحرمين، ولما وَقَعَت الحرب بينه وبين (بني) (¬٤) عمه من بني موسى الجون الذين كرهوا دعوة المصريين، وأرادوا الخطبة لبني العباس، وعاضدهم بنو الحسين، وبنو جعفر قال: [من الطويل]
بني عمنا الأدنين قُربًا تأمّلوا … غرابيب ما يأتي به البغي في الأهل