بالثريا، وجميل بن معمر ببثينة ومصعب بن الزبير بسكينة، وله فيه تفنن ينسى به حبيب (¬١)، وينسخ بطربه ما ذكر عن عُريب (¬٢) مما لم يوصف باكثر منه على ابن جريج (¬٣)، ولا صنّف في أحسن منه إسماعيل بن سريج (¬٤)، وكان جوادًا، طلق اليمين، يهب الآلاف الذهب لا المئين. مع ما أُولى من خَلْقٍ وضي، وخُلُقِ رضي، وكان الراضي لا يُرى على أحد ساخطًا، ولا لضغن بين جنبيه ضاغطًا، فلا يشوب له نعماء، ولا يزال الراضي راضيًا بموهبة من أفاد المعاني الانماء.
وحكي عن أبي الحسن العروضي مؤدب الراضي أنه قال: غدا علي الراضي يومًا وفي يده درج، فوضعه وأقبل على ما كنت وظفته له، فأسرع يحصله، ثم انحاز عنّي وأَخَذَ ذلك الدرج يتصفّحه، فقلتُ له: ما درجك أيها الأمير؟ فقال: حكمة من حكم الفرس مما ترجم لأمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، انتسخته، فقلت: أسْمِعْني ما فيه، فقرأ علي أنه لا يضير فساد الملك مع صلاح قدر، كما لا ينفع مع فساد وزرائه كبير نفع، وينبغي للملك أن يسوس وزراءه بثقةٍ يكمن فيها احتراس، لا يوجد معه حذر، وأنس (¬٥) تشوبه هيبته، وليحذر كل الحذر من اختصاص بعضهم دون بعض، وتفضيل بعضهم على بعض، فالوزراء للملك كالطبائع للجسم، صلاح الجسم باعتدال طبائعها وتساويها في القوة. كما أن عَطَبَها في قوّة بعضها على بعض، قال العروضي: فقلت أيها الأمير إنك اليوم غير محتاج إلى هذا وشبهه، فقال: كلا إني إليه لمحتاج وإن كان عندك علم منه فأفدناه، وإن لم يكن عندك فاستفده لكي تفدناه، قال: فعلمت بذلك سمو همته وثقوب فطنته.
وحكي (¬٦) عن العروضي أنه قال: أمليتُ على الراضي في صباه كلامًا لقتيبة (¬٧)،