قال (¬١): وكان السبب في دخول قسطنطين في دين النصرانية، أنه كان قد خرج في بعض حروب برجان (¬٢) فكانت الحرب بينهم سجالًا نحوًا من سنة. وكانت آخرها عليه قُتل فيها خلق من أصحابه وخاف البوار، فأُري في منامه كأن رماحًا نزلت من السماء، فيها أعلام، على رؤوسها صلبان من الذهب والفضة والحديد والنحاس وأنواع الجواهر والخشب، وقيل له: خُذْ هذه الرماح وقاتل بها عدوّك تنتصر فجعل يحارب بها في النوم (¬٣)، فرأى عدوّه قد انهزم، فاستيقظ من نومه فدعا بالرماح فركب عليها الصلبان مثل ما رأى، وحملها في عسكره، وزَحَف على عدوّه فكسرهم وأخذهم بالسيف، ورجع إلى مدينة نيقية (¬٤) وسأل عن تلك الصلبان. وهل يعرفونها في شيء من الآراء والنحل؟ فقيل له: إنّ بأرض الشام وبيت المقدس قومًا هذا رأيهم ومذهبهم، وأخبروه بما فعله من كان قبله من الملوك المتنصرة (¬٥)، فبعث إلى الشام وبيت المقدس، فأحضر ثلثمائة وثمانية عشر أسقفًا أتوه بنيقية، فقَصَّ عليهم أمره، فشرعوا له دين النصرانية، فهذا هو السنودس الأول.
وقيل: إن أمه كانت قد تنصرت قبل ذلك، وأخفَتْ هذا عنه، فلما رأى تلك الرؤيا أظْهَرَتْ له دينها. فبايعها. ثم هلك لتمام إحدى وثلاثين سنة (¬٦) من أول ملكه، وقيل لتمام خمس وعشرين سنة.
وملك بعده ابنه قسطنطين (¬٧) بن قسطنطين، فبنى الكنائس وشيد دين النصرانية، ثم ملك بعده ابن عمه (بوليانس) (¬٨) المعروف بالحنيفي، ويسمى بالرباط (¬٩)، ولما ملك رجع عن دين النصرانية، وغيّر رسومها وغزا العراق في ملك سابور بن أزدشير، فأتاه سهم غرب فذبحه، فلما هلك فَزَع من كان معه من الملوك والبطارقة إلى بطريق كان