وخمسمائة، فكان عمره سبعًا وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه للديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه للشام قريبًا من تسع عشرة سنة، وخلّف سبعة عشر ولدًا ذكرًا وبنتًا واحدة (¬١)، وكان أكبر أولاده الملك الأفضل نور الدين علي، ولد بمصر سنة خمس وستين وخمسمائة، وكان العزيز عثمان أصغر منه بنحو سنتين، وكان الظاهر صاحب حلب أصغر منهما، وبقيت البنت حتى تزوجها ابن عمها الملك الكامل صاحب مصر ولم يخلف السلطان صلاح الدين في خزانته غير سبعة وأربعين درهمًا وجرم (¬٢) واحد صوري وهذا من رجل له البلاد المصرية والشام واليمن والشرق دليل قاطع على فرط كرمه. ولم يخلف دارًا ولا عقارًا، قال العماد الكاتب (¬٣): حسبت ما أطلقه السلطان في مدة مقامه بمرج عكا من خيل عراب واكاديش فكان اثني عشر ألف رأس. وذلك غير ما أطلقه من أثمان الخيل المصابة في القتال، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، ولم يؤخر صلاةً عن وقتها، ولا صلّى إلا في جماعة، وكان إذا عزم على أمر توكّل على الله، ولا يفضل يوم على يوم. وكان كثير سماع الحديث النبوي، قرأ مختصرًا في الفقه تصنيف سليم الرازي (¬٤)، وكان حسن الخلق صبورًا على المكاره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يعلمه بذلك، ولا يتغيّر عليه. وكان يومًا جالسًا فرمى بعض المماليك بعضًا بسر موزة (¬٥)، فأخطأته، ووقعت قريبًا منه. فالتفت إلى الجهة الأخرى ليتغافل عنها. وكان طاهر المجلس، لا يذكر أحدًا في مجلسه إلا بخير، وطاهر اللسان فلا يولع بشتم أحد قط.
قال العماد الكاتب (¬٦): مات بموت السلطان الرجال (¬٧)، وفات بفواته (¬٨) الأفضال، وغاضت الأيادي، وفاضت الأعادي، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت (¬٩).