وكأَنَّما تلك القصور عرايس … والروضُ حَلي وهو فيه ترفلُ
غنت قيان الطير في أرجائها … هَرْجًا يُفل لها الثقيل الأول
وتعانقت تلك الغصون فأذكرت … يوم الوداع وغيرهم يترحل
ربع الربيع بها فحاكتْ كفُهُ … حُللًا بها عَقَدُ الهموم مُحلَّلُ
فَمُدَبَّجٌ ومُوشَّح ومدنَّرٌ … ومُعمّدٌ ومُحبّرٌ ومُهلل
فتخالُ ذا عَيْنًا وذا خَدًا وذا … ثغرًا يُعضَّضُ مَرَّةً ويُقبّلُ
ويحيط بالأبلة نهرها المشتق لها ونهر المعقل؛ فلهذا صارت بين سلكيهما في أبهى منظر وأحرز معقل، وبها النخيل المائسات القدود المائلات في خُضْر البرود شيء رطبها الجنية، وثمراتها الهنية كأنها السكر المذاب بل شفاه لعس معسولة الرضاب.
وأما شعب بوان فهو بظاهر همدان يشرف عليها من جبل يقال له بالفارسية الرند، والشعب في سفحه يضاحك في الأفق ثغر، صبحه، والأنهار تنحط عليه من أعلى الجبل، ويناجيه صبها برقة الغزل، يتيه على أنديتها مقبلًا، ويترامى على شفاهها الحو مقبّلًا، قد تكسرت على رياها فأوهمت الغواني في حلاها بقلب عوارضها المخضرة كالعذار، والتفتت حدائقها إليها كأَنَّها اعتذار؛ وهو من أبدع بقاع الأرض منظرًا، وأندى دوحًا نضرًا.
قال المبرد (¬١): أشرفت على شعب بوان فنظرت فإذا بماء منحدر كأَنَّه سلاسل فضة وتربة كالكافورة، وروضة كالثوب الموشى، واشجار متهادلة، وأطيار متجاوبة.
ولقد حدثني من رآها، وطيب مفارقه بثراها، أنها تذهب بالألباب، ويذهب بها عصر الشباب، لا تكاد الشمس تسقط من إردانها، ولا الكوكب تغيب من فرجات أغصانها.